رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

174

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

فإن قال قائل : إنّ هذا شيء اتّفق أن يكون هكذا ، فما منعه أن يقول مثل هذا في دولاب يراه يدور ، ويسقي حديقة فيها شجر ونبات ، فترى كلّ شيء من آلته مقدّراً بعضه يلقى بعضاً على ما فيه صلاح الحديقة وبما فيها ؟ وبِمَ كان يثبت هذا القول لو قاله ؟ وما ترى الناس كانوا قائلين منه لو سمعوه منه ؟ أفينكر أن يقول في دولاب خشب خسيس مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعةٍ من الأرض : إنّه كان بلا صانع ومقدّر ، ويقدر أن يقول في هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة تقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الأرض وما عليها : إنّه شيء اتّفق أن يكون بلا صنعة ولا تقدير لو اعتلّ هذا الفلك كما تعتلّ الآلات التي تتّخذ للصناعات وغيرها أيّ شيء كان عند الناس من الحيلة في إصلاحه » . « 1 » هذا نبذة ممّا قاله عليه السلام في خلق السماوات . فصل : في خلق الأرضيّات قال عليه السلام : « فكِّر يا مفضّل فيما خلق اللَّه عزّوجلّ من هذه الجواهر الأربعة « 2 » ليتّسع ما يحتاج إليه منها ، فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها ، فلولا ذلك كيف كانت تتّسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيمة غناؤها ؟ ولعلّ من ينكر هذه الفلوات الخاوية والقفار الموحشة ، فيقول : ما المنفعة فيها ؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالّها ومرعاها ، ثمّ فيها بعدُ منتفسٌ ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم ، فكم بيداء ، وكم فَدْفَد « 3 » حالت قصوراً وجناناً بانتقال الناس إليها وحلولِهم فيها ، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيّق لا يجد منه مندوحةً من وطنه ، وإذا حزبه أمر يضطرّه إلى الانتقال عنه .

--> ( 1 ) . توحيد المفضّل ، ص 126 - 137 ؛ بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 111 - 117 . ( 2 ) . المراد بالجواهر الأربعة هي التراب والماء والهواء والنار . ( 3 ) . الفَدْفَدُ : الفلاة التي لا شئ بها . وقيل : هي الأرض الغليظة ذاتُ الحصى . وقيل : المكان الصُّلب . لسان العرب ، ج 3 ، ص 330 ( فدفد ) .