رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

172

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

ما يسيران عليه بعمد وتدبير وحكمة وتقدير ، وليس بإهمال كما يزعمه المعطّلة . فإن قال قائلٌ : لِمَ صار بعض النجوم راتباً ، وبعضها منتقلًا ؟ قلنا : إنّها لو كانت كلّها راتبةً لبطلت الدلالات التي يستدلّ بها من تنقّل المنتقلة ومسيرها في كلّ برج من البروج ، كما قد يستدلّ على أشياءَ ممّا يحدث في العالم بتنقّل الشمس والنجوم في منازلها ، ولو كانت كلّها متنقّلة لم يكن لمسيرها منازلُ تُعرف ، ولا رسم توقف عليه ؛ لأنّها إنّما توقف [ عليه ] بمسير المنتقلة منها بتنقّلها في البروج الراتبة ، كما يستدلّ على سير السائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها ، ولو كان تنقّلها بحال واحد لاختلط نظامها ، وبطلت المآرب فيها ، ولساغ لقائلٍ أن يقول : إنّ كينونتها على حالٍ واحدة توجب عليها الإهمالَ من الجهة التي وصفنا ، ففي اختلاف مسيرها وتصرّفها وما في ذلك من المآرب والمصلحة أبين دليل على العمد والتدبير فيها . فكِّر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها ، كمثل الثريّا والجوزاء والشعريين وسهيل ؛ فإنّها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم يكن لواحد فيها على حيالها دلالاتٌ يعرفها الناس ، ويهتدون بها لبعض أمورهم ؛ كمعرفتهم الآنَ بما يكون من طلوع الثور والجوزاء إذا طلعت ، واحتجابها إذا حجبت ، فصار ظهور كلّ واحد واحتجابه في وقت واحد غيرَ وقت الآخر ، لينتفع الناس بما يدلّ عليه كلّ واحدٍ منها على حِدَته ، وكما جعلت الثريّا وأشباهها تظهر حيناً وتحجب حيناً لضرب من المصلحة ، كذلك جعلت « بنات النعش » ظاهرةً لا تغيب لضربٍ آخَرَ من المصلحة ؛ فإنّها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في البرّ والبحر للطرق المجهولة ، وذلك « 1 » أنّها لا تغيب ولا تتوارى ، فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاؤوا ، وصار الأمران جميعاً على اختلافهما موجّهين نحوَ الإرب والمصلحة ، وفيها مآربُ أخرى « 2 » ودلالات على أوقات كثير من الأعمال ، كالزراعة والفراش « 3 » ،

--> ( 1 ) . في المصدر : « وكذلك » . ( 2 ) . في المصدر : + / « علامات » . ( 3 ) . في المصدر : « الغراش » .