رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

165

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

ذيلي فانسحب ، أي جررته فانجرّ » . « 1 » ومثله في القاموس . « 2 » ولعلّ مرادهما بجمعيّته اسم جنس يقع على الكثير ، وإلّا فلا وجه لتذكير « المسخّر » في الآية . وابن فارس أيضاً استعمل في المجمل مطابقاً للآية حيث قال : السحاب معروف ، سمّي به لانسحابه في الهواء . « 3 » وقال الراغب في تفسيره : « والسحاب المسخّر ؛ أي المذلّل المطيع للَّه ، سمّي سحاباً لأنّه ينسحب ، أي يسير في سرعة كأنّه يسحب ؛ أي يجرّ » . فصل : اعلم أنّ طائفة لم يسبق لهم من اللَّه الحسنى تعامَوا عن مشاهدة جمال الخلقة ، وما أودع في المخلوقات من بديع الحكمة ، حتّى أفضى تعاميهم إلى العمى ، فعموا وصمّوا كثير منهم ، وذلك لأنّهم اعتادوا بالتمجمج في العلوم من غير إعمال فكر ونظر ، فوقعوا في جحود الأسباب والمسبّبات ، والتقوّل على اللَّه سبحانه بأنّه لمّا كان قادراً محتالًا فَعَلَ جميع الأفعال بنفسه ، والأثر الواقع إثرَ الشيء ليس على سبيل السببيّة والمسبّبية ، بل على مجرى العادة ، والفاعل المختار يرجّح أحد الطرفين على الآخر بلا مرجّح ، بل بالمشيّة الجزافيّة ؛ فأبطلوا حكمته سبحانه ، وعزلوا الملائكة الذين لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون ، فإذا حاولوا أن يستدلّوا بالأدلّة التي ذكر اللَّه عزّوجلّ في هذه الآية قالوا : إنّ الأشياء متساوية الأقدام في الوقوع على ما هي عليه وعلى أنحاء اخر ؛ إذ لا مجال للترجّح والأولويّة بالذات ، دلّ الوقوع على أنّ في الوجود فاعلًا مختاراً يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد بالمشيّة الجزافيّة التي تنسب إلى سفهاء الملوك ، ويقولون : لا حكمة ولا تدبير ، ولا تسبيب ولا تقدير ، تعالى عمّا يقولون علوّاً كبيراً .

--> ( 1 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 146 ( سحب ) . ( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 81 ( سحب ) . ( 3 ) . مجمل اللغة ، ج 3 ، ص 126 ( سحب ) .