رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
148
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
أنّه قال : « إذا رأيتم الرجل قد حسن سَمْته وهدؤه ، وتماوَتَ في منطقه ، وتخاضَعَ في حركاته ، فرويداً لا يَغُرَّكم ؛ فما أكثر مَن يُعْجِزُه تناولُ الدنيا وركوبُ الحرام منها لضعف نيّته ومهانته وجُبن قلبه ، فنَصَبَ الدين فَخّاً لها ، فهو لا يزال يَخْتِلُ الناس بظاهره ، فإن تَمَكَّنَ من حرام اقْتَحَمَه ، وإذا وَجَدتُموه يَعِفُّ عن المال الحرام فرويداً لايَغُرَّكم ؛ فإنّ شهواتِ الخلق مختلفةٌ ، فما أكثر من يَنْبُو عن الحرام وإن كثر ، ويَحْمِلُ نفسَه على أسوئها « 1 » قبيحةً ، فيأتي منها محرّماً ، فإذا وَجَدْتُموه يَعِفُّ عن ذلك فرويداً لا يَغُرَّكم حتّى تَنظُروا ما عقدة عقله ، فما أكثر من تَرَك ذلك أجمعَ ثمّ لا يرجع إلى عقلٍ متين ، فيكون ما يُفْسِدُه بجهله أكثرَ ممّا يُصْلِحُه بعقله ، فإذا وَجَدْتُم عقلَه متيناً فرويداً لا يَغُرَّكم حتّى تَنظروا أمع هواه يكون على عقله ، أو يكون مع عقله على هواه ، وكيف محبّته للرياسات الباطلة وزهده فيها ؛ فإنّ في الناس من خَسِرَ الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ، ويرى أنّ لذّة الرياسات الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنِّعَمِ المباحة المحلّلة ، فيَتْرُكُ ذلك أجمعَ طلباً للرياسة ، حتّى « إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ » « 2 » فهو يخبط عَشْواء « 3 » ، يقوده أوّلُ باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمدّه ربّه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه ، فهو يحلّ ما حرّم اللَّه ، ويحرّم ما أحلّ اللَّه ، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رياسته التي قد شقي من أجلها ، فأُولئك الذين غضب اللَّه عليهم ، ولعنهم ، وأعدَّ لهم عذاباً مهيناً ، ولكنّ الرجلَ كلَّ الرجلِ نِعْمَ الرجلُ هو الذي جَعَلَ هواه تبعاً لأمر اللَّه ، وقُواهُ مبذولةً في رضى اللَّه ، يرى الذُّلَّ مع الحقّ أقربَ إلى عِزّ الأبد من العزّ في الباطل ، ويعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤدّي إلى دوام النِّعمَ في دارٍ لا تبيد ولا تنفد ، وأنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتّبع هواه يؤدّيه إلى عذابٍ لا انقطاع له ولا يزول ؛ فذلكم الرجلُ نِعْمَ الرجل ، فبه تَمَسَّكوا ، وبسُنّته فاقتدوا إلى ربّكم ، فبه فتوسّلوا ؛ فإنّه لا تُرَدُّ له دعوةٌ ، ولا تُخَيَّبُ له طَلِبَةٌ » . « 4 »
--> ( 1 ) . في المصدر : « شوهاء » . والشوهاء : الكريهة المشؤومة . لسان العرب ، ج 13 ، ص 508 ( شوه ) . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 206 . ( 3 ) . أي يخبط على غير بصيرة . انظر : لسان العرب ، ج 15 ، ص 60 ( عشو ) . ( 4 ) . الاحتجاج ، ج 2 ، ص 320 ، عن الرضا عليه السلام عن عليّ بن الحسين عليهما السلام .