رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
133
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
بالرؤية أو بالسماع ممّن رآه ، فما يدري ما الحمار ؛ جمادٌ هو أو نبات أو حيوان ، راع أو آكل اللحم أو لاقط الحبّ ؟ وإن تحقّق له ؛ فما يعني بقوله : « ليس لربّنا حمار » ؟ وكثير من الناظرين في هذا الخبر تبادر إلى أذهانهم أنّ الرجل كان من المجسّمة ، فبادروا إلى استهزائه والضحك عليه ، ولا يرون الحديث موضعَ أن يتدبّروا فيه ؛ لعلّه يظهر للطائف حكمة أودعت في مطاويه . ولا شكّ أنّ الملك فهم وجه ضعف عقل العابد من محض كلماته التي نقلها الإمام عليه السلام لنا ، والظاهر أنّه عليه السلام إنّما نقلها لنا مفصّلةً لنفهم نحن أيضاً ، فنُقبل إلى شأننا ، ونتدارك الضعف إن نجده فينا ، فينبغي أن لا نتساهل في التفهّم والتدبّر ، ولا نكتفي بما يتراءى لنا بادئ النظر . فنقول أوّلًا : إنّ الملك صحب العابد يوماً وليلة ، فلم يرَ منه نقصاً ولا غلطاً في آداب عبادته ، وطريق مسلكه في الأكل والشرب والنوم ، وغيرها من متعلّقات التعيّش حتّى يستدلّ به على منشأ قلّة الأجر مع كثرة العبادة ، مع أنّ الحامل له على النزول هو استطلاع ذلك ، فعلم من هذا أنّ العابد كان قد لاقى العلماء ، وأخذ منهم ضروريّاتِ مسائله العمليّة على النهج الذي في شريعة ذلك الزمان ، ولم يكن من جَهَلَة العابدين الذين ما بنوا أعمالهم على أساسٍ متين ، كعوامّ الصوفيّة الذين أخذوا طريق العبادة عمّن علموا أنّه لم يتلمّذ عند علماء الشرع ، معلّلين بأنّ أصحاب الكشف مستغنون عن علماء الظاهر ؛ نعوذُ باللَّه من الضلال والإضلال . ثمّ إنّ الملك رأى للعابد أجراً في اللوح ، غاية الأمر أنّه استقلّه بالنظر إلى عبادته ، وهذا دليل على أنّه لم يفعل ما فعل - من تَرْك الدنيا واختيار العزلة وكثرة العبادة - رياءً وسمعةً ، ولا معتقداً في اللَّه ما يوجب الخروج عن الدين وعن زمرة أصحاب اليمين ، كالقول بالتجسيم والتشبيه والجبر والتفويض ، وقد تظافرت الأخبار عن الأئمّة الأطهار بحيث كادت تبلغ حدّ التواتر أنّ القائل بالجبر كافر ، والقائل بالتفويض مشرك ، وأنّ القدريّة مجوس هذه الامّة ، وأنّ من شبّه اللَّه بصورة أو بمثال فقد كفر ، فكيف يظنّ