رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

129

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

في تحصيل اليقين ، ولا يعاتبون على الوقوف على الظنّ ، إلّاأنّه ينبغي أن يعلم أنّ ضعف العقل يقع على معنيين : الأوّل : ما كان بحسب الفطرة ، كما في البُلهاء المتوسّطين بين المجانين والعقلاء . والثاني : ما كان بسبب عدم إخراج ما بالقوّة إلى الفعل . وأصحاب هذا صنفان : صنفٌ مَنَعَهم عن الإخراج عوائق الدهر ، مثل الاضطرار والاشتغال بطلب المعاش الضروريّ ، ومثل النشوء في مواضعَ لا يستطاع فيها طلب الكمال ، كالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ؛ « لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ » « 1 » . وهؤلاء وأمثالهم في حكم أولئك ، وكلاهما مرجوّ لهما من اللَّه الرحمة الواسعة ما يليق بشأنهما بشرط أن لا يكونا منهمكَيْن في القبائح العقليّة بحسب مبلغ عقولهما ، بل في القبائح الشرعيّة بحسب ما التزماه من الشرع الذي يتديّنان به . وصنفٌ لم يُخرجوا ما في قوّتهم للتوغّل في تحصيل الفضول ، أو الكسل ، أو ألهاهم الملاهي ، أو نحو ذلك ؛ فهؤلاء إن أخذ القضاء والقدر بضَبْعهم ، ونشأوا على دين الحقّ ، وفي قلوبهم محبّة للدين وأهله ، وبالجملة ليس بهم بأس في أصل المذهب سوى أنّهم على غير بصيرة ويقين فيما هم عليه . فمقتضى الحديث والظاهر أنّهم لا يعاتبون على عدم تحصيل اليقين بالعقائد الحقّة التي وُفّقوا لها ببركة المحبّة الجبلّيّة التي منشأها كون طينتهم من فضل طينة المعصومين عليهم السلام كما ورد في الأخبار ، وبذلك عُلّل كون قلوب الشيعة تهوي إلى أئمّتهم وإن توجّه إليهم عتاب من جهة الاتّباع للقوى الشهوانيّة والغضبيّة ، ومع هذا كلّه فليسوا في درجة أهل اليقين ، وإن لم يكونوا على دين الحقّ ومن أهل المحبّة ، فهم محشورون مع مَنْ أحبّوه . وبإزاء هذين الصنفين جماعة نشأوا في معظم البلاد ، ودارسوا العلم ، وتتبّعوا السِّيَر والأخبار ، أو خالطوا العلماء المتتبّعين ، وبالجملة دخلوا في سلك من يُعدّون في العرف من العقلاء ، فهؤلاء هم المأمورون بالنظر والاعتبار ، المأخوذون كلَّ الأخذ ،

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 98 .