رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

111

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

بهم ، من غير فرق بينهم وبين ثقات الإماميّة الذين لم يزالوا على الحقّ ، مع أنّ تأريخ الرواية عنهم غير مضبوط ليعلم أنّه هل كان بعد الرجوع أو قبله ، بل بعض الرواة ماتوا على مذاهبهم الفاسدة من الوقف ، وكانوا شديدي التعصّبِ والتصلّبِ فيه ، ولم يُنقل رجوعهم إلى الحقّ في وقتٍ من الأوقات أصلًا ، والأصحاب يعتمدون عليهم ويقبلون أحاديثهم ، كما قبلوا حديث عليّ بن محمّد بن رباح ، وقالوا : إنّه صحيح الرواية ، ثبتٌ ، معتمد على ما يرويه ، وكما قبل المحقّق في المعتبر رواية عليّ بن أبي حمزة عن الصادق عليه السلام معلّلًا ذلك بأنّ تغيّره إنّما كان في زمن الكاظم عليه السلام « 1 » ، فلا يقدح فيما قبله ، وكما حكم العلّامة في المنتهى بصحّة حديث إسحاق بن جرير « 2 » ؛ وهؤلاء الثلاثة من رؤوساء الواقفيّة . قلت : المستفاد من تصفّح كتب علمائنا المؤلّفة في السير والجرح والتعديل أنّ أصحاب الإماميّة - رضي اللَّه عنهم - كان اجتنابهم عن مخالطة من كان من الشيعة على الحقّ أوّلًا ، ثمّ أنكر إمامة بعض الأئمّة عليهم السلام في أقصى المراتب ، وكانوا يحترزون عن مجالستهم والتكلّم معهم ، فضلًا عن أخذ الحديث عنهم ، بل كان تظاهرهم بالعداوة لهم أشدّ من تظاهرهم بها للعامّة ؛ فإنّهم كانوا يلاقون العامّة ويجالسونهم ، وينقلون عنهم ، ويُظهرون لهم أنّهم منهم ؛ خوفاً من شوكتهم ، لأنّ حكّام الضلال منهم . وأمّا هؤلاء المخذولون فلم يكن لأصحابنا الإماميّة ضرورة داعية إلى أن يسلكوا معهم على ذلك المنوال وسيّما الواقفيّة ؛ فإنّ الإماميّة كانوا في غاية الاجتناب لهم والتباعد عنهم حتّى أنّهم كانوا يسمّونهم بالممطورة - أي الكلاب التي أصابها المطر - وأئمّتنا عليهم السلام لم يزالوا ينهون شيعتهم عن مخالطتهم ومجالستهم ، ويأمرونهم بالدّعاء عليهم ، ويقولون : إنّهم كفّار مشركون زنادقة ، وإنّهم شرّ من النواصب ، وإنّ من خالطهم وجالسهم فهو منهم ، وكُتُب أصحابنا مملوّة بذلك ، كما يظهر لمن تصفّح كتاب الكشّي وغيره . فإذا قبل علماؤنا - وسيّما المتأخّرون منهم - روايةَ رجلٍ من ثقات أصحابنا عن أحد هؤلاء ، وعوّلوا عليها ، وقالوا بصحّتها مع علمهم [ بحاله ] فقبولهم لها وقولهم بصحّتها

--> ( 1 ) . المعتبر ، ج 1 ، ص 68 . ( 2 ) . منتهي المطلب ، ج 2 ، ص 268 .