العلامة المجلسي

454

بحار الأنوار

ضلت الافهام في جبروته ، وتحيرت الأوهام في ملكوته ، فلا وصول إليه إلا به ولا ملجأ منه إلا إليه ، ذلكم الله رب العالمين . الصحيفة النانية صحيفة الخلق فازيا أخنوخ من عرفني ، وهلك من أنكرني ، عجبا لمن ضل عنى وليس يخلو في شئ من الأوقات مني ، كيف يخلوا وأنا أقرب إليه من كل قريب ، وأدنى إليه من حبل الوريد ، ألست أيها الانسان العظيم عند نفسه في بنيانه ، القوي لدى همته في أركانه ، مخلوقا من النطفة المذرة ، ومخرجا من الأماكن القذرة ، تنحط من أصلاب الاباء كالنخاعة إلى أرحام النساء ، ثم يأتيك أمري فتصير علقة ، لو رأتك العيون لاستقذرتك ، ولو تأملتك النفوس لعافتك ، ثم تصير بقدرتي مضغة لا حسنة في المنظر ، ولا نافعة في المخبر ، ثم أبعث إليك أمرا من أمري ، فتخلق عضوا عضوا وتقدر مفصلا مفصلا ، من عظام مغشية ، وعروق ملتوية ، وأعصاب متناسبة ، ورباطات ماسكة ، ثم يكسوك لحما ويلبسك جلدا تجامع من أشياء متبائنة ، وتخلق من أصناف مختلفة . فتصير بقدرتي خلقا سويا لا روح فيك تحركك ، ولا قوة لك تقلك ، أعضاؤك صو بلا مرية ( 1 ) وجثث بلا مرزبة ( 2 ) فأنفخ فيك الروح ، وأهب لك الحياة ، فتصير باذني إنسانا ، لا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا تفعل خيرا ولا شرا ، مكانك من أمك تحت السرة ، كأنك مصرور في صرة إلى أن يلحقك ما سبق مني من القضاء ، فتصير من هناك إلى وسع الفضاء ، فتلقى ما قدرك من السعادة أو الشقاء ، إلى أجل من البقاء

--> ( 1 ) كذا في نسخة الكمباني ، وفى نسخة أخرى مخطوطة : " صور " - وضبطه بضم الصاد وفتح الواو - جمع الصورة . ولا تناسب قوله بعد " وجثث بلا مرزبة " كأنه يريد أن أعضاءك رخو ، أو صبو ، أو صوب يميل إلى حيث تشاء وسيأتي في البيان ، فتحرر . ( 2 ) الجثث جمع جثة ، وهو كل ماله شخص وشخص الانسان قائما أو قاعدا والمجثة حديدة يقلع بها الفسيل ، والمرزبة : العصية من الحديد ، فالمراد أن الأعضاء لها قوام معتدل كعصا الحديد من دون أن يركب فيها حديد .