العلامة المجلسي
395
بحار الأنوار
هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي * يا من أشار إليه الخلق في الحرم إن كان عفوك لا يلقاه ذو سرف * فمن يجود على العاصين بالنعم قال الحسين بن علي صلوات الله عليهما : فقال لي : يا أبا عبد الله أسمعت المنادي ذنبه المستغيث ربه ؟ فقلت نعم ، قد سمعته ، فقال اعتبره عسى نراه ، فما زلت أختبط في طخياء الظلام ( 1 ) وأتخلل بين النيام . فلما صرت بين الركن والمقام ، بدا لي شخص منتصب ، فتأملته فإذا هو قائم ، فقلت : السلام عليك أيها العبد المقر المستقيل المستغفر المستجير أجب بالله ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله . فأسرع في سجوده وقعوده وسلم ، فلم يتكلم حتى أشار بيده بأن تقدمني فتقدمته فأتيت به أمير المؤمنين عليه السلام فقلت : دونك ها هو ! فنظر إليه فإذا هو شاب حسن الوجه ، نقي الثياب ، فقال له : من الرجل ؟ فقال له : من بعض العرب فقال له : ما حالك ومم بكاؤك واستغاثتك ؟ فقال : ما حال من أوخذ بالعقوق فهو في ضيق ارتهنه المصاب ، وغمره الاكتئاب ، فارتاب ( 2 ) فدعاؤه لا يستجاب ، فقال له علي : ولم ذلك ؟ فقال : لأني كنت ملتهيا في العرب باللعب والطرب ، أديم العصيان في رجب وشعبان ، وما أراقب الرحمن ، وكان لي والد شفيق رفيق ، يحذرني مصارع الحدثان ، ويخوفني العقاب بالنيران ويقول : كم ضج منك النهار والظلام ، والليالي والأيام ، والشهور والأعوام ، والملائكة الكرام ، وكان إذا ألح على بالوعظ زجرته وانتهرته ، ووثبت عليه وضربته ، فعمدت يوما إلى شئ من الورق فكانت في الخباء ( 3 ) فذهبت لاخذها وأصرفها فيما كنت عليه ، فمانعني عن أخذها فأوجعته ضربا ولويت يده وأخذتها ومضيت ، فأومأ بيده إلى ركبتيه يروم النهوض من مكانه ذلك ، فلم يطق يحركها من شدة الوجع والألم فأنشأ يقول :
--> ( 1 ) يعنى سواد الليل الشديد الظلمة . ( 2 ) فان تاب خ . ( 3 ) الورق : الدراهم المضروبة ، والخباء : كن يعمل من وبر أو صوف أو شعر للسكنى في البادية .