السيد ابن طاووس

21

إقبال الأعمال ( ط . ق )

اقتضى ذلك أني أودع السنة الماضية واستقبل السنة الآتية بصلاة الشكر كيف سلمني من أخطار ذلك العام الماضي وشرفني بخلع التراضي وأغناني عن التقاضي وفرغني لاستقبال هذا العام الحاضر ولم يمنعني من الظفر بالسعادة والعبادة فيه بمرض ولا عرض باطن ولا ظاهر فصل ثم إنني أحضر هذا الكتاب عمل شهر الصيام وأقبله وأجعله على رأسي وعيني وأضمه إلى صدري وقلبي وأراه قد وصل إلي من مالك أمري ليفتح به على أبواب خيري وبري ونصري وأتلقاه بحمدي وشكري وشكر الرسول الذي كان سبب صلاح أمري كما اقتضى حكم الإسلام تعظيم المشاعر في البيت الحرام وتقبيلها بفم الاحترام والإكرام فصل ثم إنني أبدأ بالفعل فأسأل الله جل جلاله العفو عما جرى من ظلمي له وحيفي عليه وكلما هونت به من تطهير القلب وإصلاحه لنظر الله جل جلاله إليه والعفو عن كل جارحة أهملت شيئا من مهماتها وعباداتها والاجتهاد في التوبة النصوح من جناياتها والصدقة عن كل جارحة بما تهيأ من الصدقات لقول الله جل جلاله إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وأتصدق عن أيام السنة المستقبلة عن كل يوم وليلة برغيف لأجل ما رويناه من فضل الصدقة وفائدته فصل فيما نذكره من شكر الله جل جلاله على تقييد الشياطين ومنعهم من الصائمين في شهر رمضان اعلم أن الرواية وردت بذلك متظاهرة ومعانيها متواترة متناصرة ونحن نذكر من طرقنا إليها ألفاظ الشيخ محمد بن يعقوب فإن كتبه كلها معتمد عليها فَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ إِلَى النَّاسِ فَيَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا طَلَعَ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ غُلَّتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ وَأَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَاسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ وَكَانَ لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءُ يُعْتِقُهُمْ مِنَ النَّارِ وَمُنَادٍ يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفاً وَأَعْطِ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفاً حَتَّى إِذَا طَلَعَ هِلَالُ شَوَّالٍ نُودِيَ الْمُؤْمِنُونَ أَنِ اغْدُوا إِلَى جَوَائِزِكُمْ فَهُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا هِيَ بِجَائِزَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَرَأَيْتُ حَدِيثَ خُطْبَةِ النَّبِيِّ ص رِوَايَةَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَيَّاشٍ فِي كِتَابِ الْأَغْسَالِ بِنُسْخَةٍ تَارِيخُ كِتَابَتِهَا رَبِيعٌ الْآخَرُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ يَقُولُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَوْلَانَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع أَنَّهُ قَالَ لَمَّا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَفَاكُمُ اللَّهُ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَوَعَدَكُمُ الْإِجَابَةَ وَقَالَ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أَلَا وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِكُلِّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ سَبْعَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَلَيْسَ بِمَحْلُولٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَلَا وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ مُفَتَّحَةٌ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ إِلَى آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْهُ أَلَا وَالدُّعَاءُ فِيهِ مَقْبُولٌ حَتَّى إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنَ الْعَشْرِ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ وَشَمَّرَ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ وَبَرَزَ مِنْ بَيْتِهِ وَاعْتَكَفَ وَأَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَكَانَ يَغْتَسِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْهُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فَقُلْتُ مَا مَعْنَى شَدِّ الْمِئْزَرِ فَقَالَ كَانَ يَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فِيهِنَّ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْتَزِلُهُنَّ أقول وقد سألني بعض أهل الدين فقال إنني ما يظهر لي زيادة انتفاع بمنع الشياطين لأنني أرى الحال التي كنت عليها من الغفلة قبل شهر رمضان كأنها على حالها ما نقصت بمنع أعوان الشيطان فقلت له يحتمل أن الشياطين لو تركوا على حالهم في إطلاق العنان كانوا يحسدونكم على هذا شهر الصيام فيجتهدون في هلاككم مع الله جل جلاله أو في الدنيا بغاية الإمكان فيكون الانتفاع بمنعهم من زيادات الأذيات والمضرات ودفعهم عما يعجز الإنسان عليه من المحذورات ويحتمل أن يكون لكل شهر شياطين تختص به دون سائر الشهور فيكون منع الشياطين في شهر رمضان يراد به شياطين هذا الشهر المذكور وغيرهم من الشياطين على حالهم مطلقين فيما يريدونه بالإنسان من الأمور فلذلك ما يظهر للإنسان سلامته من وسوسة الصدور ويحتمل أن يكون