عبد الواحد الآمدى التميمي

14

غرر الحكم ودرر الكلم

إدراك شأن الأفاضل من الصدور الأوائل ، وقصوري عن الجري في ميادينهم ، ونقص وزني عن أوزانهم - جمعت يسيرا من قصير حكمه وقليلا من خطير كلمه يخرس البلغا عن مساحلته ، ويبلس الحكماء عن مشاكلته . وما أنا في ذلك علم اللّه إلا كالمغترف من البحر ، والمعترف بالتقصير ، وان بالغ في وصفه ، فكيف لا ؟ وهو عليه السلام الشّارب من ينبوع النبوي ، والحاوي بين جنبيه العلم اللّاهوتي ؛ إذ يقول كرم اللّه وجهه وقوله الحقّ وكلامه الصدق ، على ما أدّته إلينا أئمة النقله : انّ بين جنبي لعلما جمّا لو أُصبت له حمله . وقد جعلت أسانيده محذوفة ، ورتّبت على حروف المعجم ، وجعلت ما توافق من أواخر حكمه وتطابق من خواتم كلمه مسجعا مقرنا ، لكونه أوقع بسماع الأذان ، وأوقر في القلوب والأذهان ، لشدّة ميل النفوس إلى منظوم الكلام ، وكونها عن منثوره بأبعد مرام ، ليسهل حفظه على قاريه ، ويحلو لفظه للناظر فيه ، والمقتبس من لآليه ، مع إجتزالي أكثرها خشية من كلفه الطول ، مكتفيا بما فيه الشفاء من الكرب والعناء لذوي العقول والأدب ، وسمّيته غرر الحكم ودُرر الكلم راجيا من اللّه سبحانه حسن الثواب ، ومستعيذا به تعالى من كل عاب ، وما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت وإليه متاب .