العلامة المجلسي
95
بحار الأنوار
وأما الرد على من قال بالاجتهاد : فإنهم يزعمون أن كل مجتهد مصيب على أنهم لا يقولون مع اجتهادهم أصابوا معنى حقيقة الحق عند الله عز وجل لأنهم في حال اجتهادهم ينتقلون من اجتهاد إلى اجتهاد ، واحتجاجهم أن الحكم به قاطع ، قول باطل منقطع منتقض ، فأي دليل أدل من هذا على ضعف اعتقاد من قال بالاجتهاد والرأي إذ كان حالهم تؤول إلى ما وصفناه . وزعموا أيضا أنه محال أن يجتهدوا فيذهب الحق من جماعتهم وقولهم بذلك فاسد ، لأنهم إن اجتهدوا فاختلفوا فالتقصير واقع بهم ، وأعجب من هذا أنهم يقولون مع قولهم بالاجتهاد والرأي : إن الله تعالى بهذا المذهب لم يكلفهم إلا بما يطيقونه وكلام النبي صلى الله عليه وآله . واحتجوا بقول الله تعالى : " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " ( 1 ) وهو بزعمهم وجه الاجتهاد ، وغلطوا في هذا التأويل غلطا بينا . قالوا : ومن قول الرسول : ما قاله لمعاذ بن جبل ، وادعوا أنه أجاز ذلك والصحيح أن الله سبحانه لم يكلف العباد اجتهادا لأنه قد نصب لهم أدلة ، وأقام لهم أعلاما ، وأثبت عليهم الحجة ، فمحال أن يضطرهم إلى مالا يطيقون بعد إرساله إليهم الرسل بتفصيل الحلال والحرام ، ولم يتركهم سدى ، ومهما عجزوا عنه ردوه إلى الرسل والأئمة صلوات الله عليهم وهو يقول : " ما فرطنا في الكتاب من شئ " ( 2 ) ويقول : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " ( 3 ) ويقول سبحانه " فيه تبيان كل شئ " ( 4 ) . ومن الدليل على فساد قولهم في الاجتهاد والرأي والقياس أنه لن يخلو الشئ أن يكون تمثيلا على أصل أو يستخرج البحث عنه ، فإن كان بحث عنه فإنه لا يجوز في عدل الله تعالى تكليف العباد ذلك ، وإن كان تمثيلا على أصل ، فلن يخلو
--> ( 1 ) البقرة : 144 . ( 2 ) الانعام : 38 . ( 3 ) المائدة : 3 . ( 4 ) النحل : 89 ، ونصها : " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " .