العلامة المجلسي

69

بحار الأنوار

ما أحل الله لكم " ( 1 ) ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى . وأما الذي تأويله قبل تنزيله فمثل قوله تعالى في الأمور التي حدثت في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله مما لم يكن الله أنزل فيها حكما مشروحا ، ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وآله فيها شئ ولا عرف ما وجب فيها ، مثل ذلك من اليهود من بني قريظة والنضير ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة كان بها ثلاث بطون من اليهود من بني هارون منهم بنو قريظة ، وبنو النضير ، وبنو القينقاع فلما دخلت الأوس والخزرج في الاسلام ، جاءت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا : يا محمد قد أحببنا أن نهادنك إلى أن نرى ما يصير إليه أمرك ، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله تكرما وكتب لهم كتابا أنه قد هادنهم وأقرهم على دينهم لا يتعرض لهم وأصحابهم بأذية ، وضمنوهم عن نفوسهم أنهم لا يكيدونه بوجه من الوجوه ، ولا لاحد من أصحابه . وكانت الأوس حلفاء بني قريظة ، والخزرج حلفاء بني النضير ، وبنو النضير أكثر عددا من بني قريظة وأكثر أموالا ، وكانت عدتهم ألف مقاتل ، وكانت عدد بني قريظة مائة مقاتل ، وكان إذا وقع بينهم قتل لم يرض بنو النضير أن يكون قتل بقتيل ، بل يقولون نحن أشرف وأكثر وأقوى وأعز . ثم اتفقوا بعد ذلك أن يكتبوا بينهم كتابا شرطوا فيه : أيما رجل من بني النضير قتل رجلا من بني قريظة دفع نصف الدية ، وحمم وجهه - ومعنى حمم وجهه سخم وجهه بالسواد - ومعناه حمم بالفحم - ويقعد على حمار ويحول وجهه إلى ذنب الحمار ، ونودي عليه في الحي وأيما رجل من بني قريظة قتل رجلا من بني النضير كان عليه الدية الكاملة ، وقتل القاتل مع رفع الدية . فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ، ودخل الأوس والخزرج في دين الاسلام ، وثب رجل من بني قريظة على رجل من بني النضير فبعث بنو النضير إلى بني قريظة ابعثوا لنا بقاتل صاحبنا لنقتله ، وابعثوا إلينا بالدية ، فامتنعوا من ذلك وقالوا : ليس هذا حكم الله في التوراة وإنما هذا حكم ابتدعتموه وليس لكم علينا

--> ( 1 ) المائدة : 87 .