العلامة المجلسي

59

بحار الأنوار

ثم أبان فضل المؤمنين فقال سبحانه : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " ( 1 ) ثم وصف ما أعده من كرامته تعالى لهم ، وما أعده لمن أشرك به ، وخالف أمره وعصى وليه ، من النقمة والعذاب ، ففرق بين صفات المهتدين وصفات المعتدين ، فجعل ذلك مسطورا في كثير من آيات كتابه ولهذه العلة قال الله تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " ( 2 ) . فترى من هو الامام الذي يستحق هذه الصفة من الله عز وجل ، المفروض على الأمة طاعته ؟ من لم يشرك بالله تعالى طرفة عين ، ولم يعصه في دقيقة ولا جليلة قط ؟ أم من أنفد عمره وأكثر أيامه في عبادة الأوثان ، ثم أظهر الايمان وأبطن النفاق ؟ وهل من صفة الحكيم أن يطهر الخبيث بالخبيث ، ويقيم الحدود على الأمة من في جنبه الحدود الكثيرة ، وهو سبحانه يقول : " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " ( 3 ) . أولم يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله بتبليغ ما عهده إليه في وصيه ، وإظهار إمامته وولايته " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " ( 4 ) فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد سمع . واعلم أن الشياطين اجتمعوا إلى إبليس فقالوا له : ألم تكن أخبرتنا أن محمدا إذا مضى نكثت أمته عهده ونقضت سنته ، وأن الكتاب الذي جاء به يشهد بذلك وهو قوله : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " ( 5 ) فكيف يتم هذا وقد نصب لامته علما ، وأقام لهم إماما ؟ فقال لهم إبليس : لا تجزعوا من هذا ، فان أمته ينقضون عهده ، ويغدرون بوصيه من بعده ، ويظلمون أهل بيته ، ويهملون ذلك لغلبة حب الدنيا على قلوبهم ، وتمكن الحمية والضغائن في نفوسهم ، واستكبارهم وعزهم ، فأنزل الله

--> ( 1 ) البينة : 7 . ( 2 ) القتال : 24 . ( 3 ) البقرة : 44 . ( 4 ) المائدة : 67 . ( 5 ) آل عمران : 144 .