العلامة المجلسي

36

بحار الأنوار

واضطرهما ذلك إلى التضاد والاختلاف والفساد ، وكل ذلك معدوم ، وإذا بطلت هذه الحال كذلك ثبت الوحدانية بكون التدبير واحدا ، والخلق متفق غير متفاوت والنظام مستقيم . وأبان سبحانه لأهل هذه المقالة ومن قاربهم أن الخلق لا يصلحون إلا بصانع واحد ، فقال " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ( 1 ) ثم نزه نفسه فقال " سبحان الله عما يصفون " والدليل على أن الصانع واحد ، حكمة التدبير وبيان التقدير . وأما الرد على الزنادقة فقوله تعالى : " ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون " ( 2 ) فأعلمنا تعالى أن الذي ذهب إليه الزنادقة من قولهم : إن العالم يتولد بدوران الفلك ، ووقوع النطفة في الأرحام ، لان عندهم أن النطفة إذا وقعت تلقاها الاشكال التي تشاكلها فيتولد حينئذ بدوران القدرة ( 3 ) والاشكال التي تتلقاها مرور الليل والنهار ، والأغذية والأشربة والطبيعة ، فتتربى وتنتقل وتكبر ، فعكس تعالى قولهم بقوله " ومن نعمره ننكسه في الخلق " معناه أن من طال عمره وكبر سنه رجع إلى مثل ما كان عليه في حال صغره وطفوليته ، فيستولي عليه عند ذلك النقصان في جميع آلاته ، ويضعف في جميع حالاته ، ولو كان الامر كما زعموا من أنه ليس للعباد خالق مختار ، لوجب أن يكون تلك النسمة أو ذلك الانسان زائدا أبدا ما دامت الاشكال - التي ادعوا أن بها كان قوام ابتدائها - قائمة ، والفلك ثابت ، والغداء ممكن ، ومرور الليل والنهار متصل . ولما صح في العقول معنى قوله تعالى " ومن نعمره ننكسه في الخلق " وقوله سبحانه " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا " ( 4 ) علم أن هذا من تدبير الخالق المختار وحكمته ووحدانيته وابتداعه للخلق فتثبت وحدانيته

--> ( 1 ) الأنبياء : 22 . ( 2 ) يس : 68 . ( 3 ) الفلك ظ . ( 4 ) الحج : 5 ، النحل : 70 .