نورالدين علي بن أحمد السمهودي

227

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

آخر العهد من زيارة قبر نبيك صلى الله تعالى عليه وسلم . قال : ثم يتوجه إلى الروضة ، ويصلي ركعتين عند الخروج ، ويسأل الله العود مع السلامة والعافية . قلت : وهو صريح في تقديم وداع النبي صلى اللّه عليه وسلم على توديع المسجد بالركعتين ، ومقتضى كلام النووي وغيره ما قدمناه ، وممن صرح بمقتضاه في تقديم الصلاة على توديعه صلى الله تعالى عليه وسلم أبو سليمان داود الشاذلي من المالكية في كتابه النيات والانتصار ، والأصل في ذلك كما أشار إليه ابن عساكر حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم « كان لا ينزل منزلا إلا ودّعه بركعتين » . ومنها : أن ينصرف عقب ذلك تلقاء وجهه ، ولا يمشي القهقرى إلى خلفه ، ويكون متألما متحزنا على فراق الحضرة النبوية ، متأسفا على ما يفوته من تركه ملازمتها ، وهناك تظهر من المحبين سوابق العبرات ، ويتصعد من بواطنهم لقوة الوجد لواحق الزفرات . وأنشد أبو الفضل الجوهري في توديعه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * وشهدت كيف نكرر التوديعا لعلمت أن من الدموع محدّثا * وعلمت أن من الحديث دموعا وقال العز بن جماعة : أنشدني والدي يعني البدر بن جماعة - لنفسه وهو يبكي عند وداعه لسفره من المدينة الشريفة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام : أحنّ إلى زيارة حيّ ليلى * وعهدي من زيارتها قريب وكنت أظن قرب الدار يطفي * لهيب الشوق فازداد اللهيب ولله در القائل : أرسلت أعيني دموعا غزارا * وحوت أضلعي لهيبا ونارا وتناآى صبري وهل بعد بعد * يجد الصب سلوة واصطبارا يا ديار الأحباب كان اختياري * أن أراك المساء والأبكارا ذاك لو يسمح الزمان ، ولكن * ليس لي أن أعارض الأقدارا ليس نأيي رضى وعن طيب نفس * إنما كان بالقضاء اضطرارا واختياري أن لا أفارقك الده * ر ولكن لا أملك الاختيارا فعسى الله أن يمن بعود * فعساه يطفي لهيبا ونارا ومنها : أن يستصحب منه هدية ليدخل بها السرور على أهله ومعارفه ، من غير أن يتكلفها ، سيما ثمار المدينة ومياه آبارها النبوية ، ولا يستصحب شيئا من تراب حرم المدينة ولا من الأكر المعمولة منه ، قال النووي : وكذا الأباريق والكيزان وغير ذلك من التراب والأحجار فإنه لا يجوز .