نورالدين علي بن أحمد السمهودي

224

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

الركب ، ولم أخرج إلى بقيع ولا غيره ، ولم أر غيره صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد كان خطر لي أن أخرج إلى البقيع ، فقلت : إلى أين أذهب ؟ هذا باب الله تعالى مفتوح للسائلين والمتضرعين ، وليس ثمّ من يقصد مثله . قلت : والحق أن من منح دوام الحضور والشهود وعدم الملل فاستمراره هناك أولى وأعلى ، وإلا فتنقّله في تلك البقاع أولى ، وبه يستجلب النشاط ودفع الملل ، ولذلك نوّع الله لعباده الطاعات ، والله أعلم . ومنها : أن يلاحظ بعقله مدة إقامته بالمدينة جلالتها ، وأنها البلدة التي اختارها الله لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم في الحياة وبعد الوفاة ، ويستحضر تردّده صلى الله تعالى عليه وسلم فيها ، ومشيه في بقاعها ، ومحبته لها ، وتردد جبرائيل عليه السلام فيها بالوحي ، فيحبها وسائر منازلها وأوديتها وجبالها ، سيما ما أثبت له صلى الله تعالى عليه وسلم المحبة من ذلك . ومنها : أن لا يركب بها دابة مهما قدر على المشي ، بل يؤثره على الركوب ، كما رأى ذلك مالك رحمه الله تعالى ؛ فإنه كان لا يركب بها دابة ، ويقول : أخشى أن يقع حافرها في محل مشي فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . وفي رواية عن الشافعي رحمه الله تعالى قال : رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان وبغال مصر ، ما رأيت أحسن منها ، فقلت له : ما أحسنها فقال : هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله ، فقلت : دع لنفسك منها دابة تركبها ، فقال : أستحيي من الله أن أطأ تربة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحافر دابة . ومنها : محبة أهل المدينة وسكانها ، ومحبة مجاوريها وقطّانها ، وتعظيمهم ، سيما العلماء والصلحاء والأشراف والفقراء وسدنة الحجرة وخدّامها ، قال المجد : وهلم جرا إلى عوامها وخواصها ، وكبارها وصغارها ، وزراعها وجرافها ، وباديتها وحاضرتها ، كل منهم على حسب حاله ورتبته وقرابته ودنوه من قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتربته ، وتعظيمه لشعار دينه وشريعته ، وقيامه بمصالح أمته ومناحج ملته ، إلى من لا يبقى له مزية سوى كونه في هذا المحل العظيم ، وجارا لهذا النبي الكريم ، صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأخلق بها مزية أن يجلّ صاحبها ، قال : وهؤلاء يثبت لهم حق الجوار ، وإن عظمت إساءتهم فلا يسلب عنهم اسم الجار ، وقد عمّم صلى اللّه عليه وسلم في قوله « ما زال يوصيني جبرائيل بالجار » ولم يخصص جارا دون جار ، قال : وكل ما احتج به محتج من رمي عوامهم بالابتداع وترك الاتباع فإنه إذا ثبت في شخص مثلا لا يترك إكرامه ، فإنه لا يخرج