نورالدين علي بن أحمد السمهودي

192

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

برجال الصحيح عن يعلى بن مرة من حديث قال فيه : ثم سرنا فنزلنا منزلا ، فنام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها ، فلما استيقظ ذكرت له ، فقال : هي شجرة استأذنت ربها عز وجل أن تسلم على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فأذن لها . فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبي الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم الممتلئ بالشوق إليه ؟ وحديث حنين الجذع تقدم ذكره في محله . وقال القاضي ابن كج من أصحابنا : إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فعندي يلزمه الوفاء وجها واحدا ، وإذا نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان . قال السبكي : لم ير لغيره من أصحابنا خلافه ، والقطع بذلك هو الحق ؛ للأدلة الخاصة في ذلك ، ومن يشترط في النذر أن يكون مما وجب جنسه بالشرع ويقول « إن الاعتكاف كذلك ؛ لوجوب الوقوف » فقد يقول : إن زيارة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وجب جنسها وهي الهجرة إليه في حياته . ووجه الخلاف في قبر غيره تشبيهه بزيارة القادمين وإفساد السلام ونحو ذلك مما لم يوضع قربة مقصودة وإن كان قربة من حيث ترغيب الشرع فيه لعموم فائدته ، وعلى هذا يكون الأصح لزومه بالنذر كما في تلك المسائل . وقال العبدي من المالكية في شرح الرسالة : وأما النذر للمشي إلى المسجد لحرام والمشي إلى مكة فله أصل في الشرع وهو الحج والعمرة ، والمشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ، وليس عنده حج ولا عمرة ، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاثة لزمه ، فالكعبة متفق عليها ، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين ، قال السبكي : والخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين الآخرين لا في الزيارة . وفي كتاب تهذيب الطالب لعبد الحق : رأيت في بعض المسائل التي سئل عنها الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ، قيل له في رجل استؤجر بمال ليحج به وشرطوا عليه الزيارة ، فلم يستطع تلك السنة أن يزور لعذر منعه من ذلك . قال : يردّ من الأجرة بقدر مسافة الزيارة ، قال الحاكي لذلك عنه : وقال غيره من شيوخنا : عليه أن يرجع ثانية حتى يزور ، وقال ابن عبد الحق : انظر ، إن استؤجر للحج لسنة بعينها فهاهنا يسقط من الأجرة ما يخص الزيارة ، وإن استؤجر على حجة مضمونة في ذمته فهاهنا يرجع ويزور ، وقد اتفق النقلان ، قال السبكي : وهذا فرع حسن ، والذي ذكره أصحابنا أن الاستئجار على الزيارة لا يصح ؛ لأنه عمل غير مضبوط ولا مقدر بشرع ، والجعالة إن وقعت على نفس الوقوف لم يصح أيضا ؛