نورالدين علي بن أحمد السمهودي

187

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

لتعظيمه والتبرك به ، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند قبره بحضرة الملائكة الحافين به ، وذلك من الدعاء المشروع له . والزيارة قد تكون لمجرد تذكر الآخرة ، وهو مستحب ؛ لحديث « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » . وقد تكون للدعاء لأهل القبور كما ثبت من زيارة أهل البقيع ، وقد تكون للتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح ، وقال أبو محمد الشارمساحي المالكي : إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم وقبور الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، قال السبكي : وهذا الاستثناء صحيح ، وحكمه في غيرهم بالبدعة فيه نظر . قلت : قد ذكر هذا الاستثناء ابن العربي أيضا ، فقال : ولا يقصد يعني زائر القبر الانتفاع بالميت فإنها بدعة ، وليس لأحد على وجه الأرض إلا لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، نقل ذلك عنه الحافظ زين الدين الحسيني الدمياطي ، ثم تعقبه بأن زيارة قبور الأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء وسائر المرسلين للبركة أثر معروف . وقد قال حجة الإسلام الغزالي : كلّ من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد موته ، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ، انتهى . وقد تكون الزيارة لأداء حق أهل القبور ، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا » وسبق عن ابن عباس مرفوعا « ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام » ورأيت بخط الأقشهري : روى بقيّ بن مخلد بسنده إلى محمد بن النعمان عن أبيه مرفوعا « من زار قبر أبويه في كل جمعة أو أحدهما كتب بارا وإن كان في الدنيا قبل ذلك بهما عاقا » . قال السبكي : وزيارة قبره صلى اللّه عليه وسلم فيها هذه المعاني الأربعة فلا يقوم غيرها مقامها . وقد قال عبد الحق الصقلي عن أبي عمران المالكي ، قال : إنما كره مالك أن يقال « زرنا قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم » لأن الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها ، وزيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واجبة ، قال عبد الحق : يعني من السنن الواجبة ، انتهى . واختار عياض أن كراهة مالك لذلك لإضافة الزيارة إلى القبر ، وأنه لو قال « زرنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم » لم يكره ؛ لحديث « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر قطعا للذريعة .