نورالدين علي بن أحمد السمهودي
11
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
فلما له في ذلك من المقصد . وأما جعله المنبر على خلاف السنة وجعله القوم أو بعضهم خلف ظهره فلا ثمرة له ، وأيضا فيبعد إقرار من جاء بعده على ذلك ، وأيضا لو كان ذلك من فعله لأنكر عليه كما أنكر عليه ما تقدم ، ولو سلم أن تلك الدرج في موضع منبر مروان فالسنة تغيير ذلك واتباع ما صح من فعله صلى اللّه عليه وسلم ، كما خولف في أمر الخطبة واتبع بها فعله صلى اللّه عليه وسلم حيث جعلت بعد الصلاة ، والتشبث باستمرار أفعال الناس إنما يكون في شيء لم يعلم حكمه من جهة الشرع ، أما ما علم حكمه فالواجب اتباع الشرع فيه ، واعتقاد حدوث ما عليه الناس ، وتقديره بأقرب زمان ، وقد ذم الله تعالى قوما تمسكوا في جحد الحق بفعل سلفهم حيث قال حكاية عنهم : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] فمن الواجب تطهير هذا المحل الشريف المنسوب للمصطفى صلى اللّه عليه وسلم عن هذه البدعة الشنعاء ، ولذلك بينا بعض الدرج عن يمين القائم في محراب المسجد المذكور كما ذكر العلماء أنه السنة ، وتكون مرتفعة بحيث يرى القائم عليها من خارج المسجد ، والذي يظهر أن تلك الدرج إنما جعلت للمبلغ ، وأن الخطيب إنما كان يقوم فيه على الأرض ؛ لأنه الثابت من فعله صلى اللّه عليه وسلم ، فكأن بعض الخطباء قام عليها بعد ذلك فاستمر الأمر على ذلك ، والله أعلم . الطرف الثالث : فيما جاء في فضل المصلى الشريف ، والدعاء به ، ونهيه صلى اللّه عليه وسلم عن تضييقه والبناء به . أورد ابن شبة في ترجمة المصلى عن جناح النجار قال : خرجت مع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص إلى مكة ، فقالت لي : أين منزلك ؟ فقلت لها : بالبلاط ، فقالت لي : تمسك به فإني سمعت أبي يقول : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول « ما بين مسجدي هذا المسجد ومصلاي روضة من رياض الجنة » . وقوله في هذه الرواية : « ما بين مسجدي هذا المسجد - إلى آخره » يدفع تأويل من أوّل حديث الأوسط للطبراني بلفظ « ما بين حجرتي ومصلّاي » والحديث الذي رواه ابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها بلفظ « ما بين منبري والمصلى » بأن المراد مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد ؛ لأنه لا يصح أن يقال : ما بين هذا المسجد والمصلى الذي فيه ، ولهذا استدلّت به عائشة بنت سعد على الحث على التمسك بالدور التي بالبلاط ، يعني الآخذة من باب السلام إلى المصلى ؛ لأنها فيما بين المسجد ومصلى العيد ، وإذا كان ما بين المسجدين المذكورين روضة فهما روضة من باب أولى ؛ لأن ذلك الفضل إنما حصل لما بينهما بحصوله صلى اللّه عليه وسلم في ذلك وتردده صلى اللّه عليه وسلم فيما بينهما ، فكيف بمحلّ سجوده وموقفه الشريف ؟ وروى ابن شبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا قدم من سفر فمر بالمصلّى استقبل القبلة ووقف يدعو .