نورالدين علي بن أحمد السمهودي

88

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

السائب ابن خباب وعمر بن عثمان بن عبد الرحمن أن عثمان بن عفان أول من وضع المقصورة من لبن ، واستعمل عليها السائب بن خباب ، وكان رزقه دينارين في كل شهر ، فتوفي عن ثلاثة رجال : مسلم ، وبكير ، وعبد الرحمن ، فتواسوا في الديا نارين ، فجريا في الديوان على ثلاثة منهم إلى اليوم ، قال ابن زبالة : وقال مالك بن أنس : لما استخلف عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب عمل عثمان مقصورة من لبن ، فقام يصلي فيها للناس خوفا من الذي أصاب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وكانت صغيرة . وروى يحيى هذا كله في زيادة عثمان رضي اللّه عنه ، ثم روى في زيادة الوليد عن عبد الحكم بن عبد اللّه بن حنطب قال : أول من أحدث المقصورة في المسجد مروان بن الحكم ، بناها بالحجارة المنقوشة ، وجعل لها كوى ، وكان بعث ساعيا « 1 » إلى تهامة ، فظلم رجلا يقال له دب ، فجاء دب إلى مروان ، فقام حيث يريد أن يقوم مروان ، حتى إذا أراد أن يكبر ضربه بسكين فلم يصنع شيئا ، فأخذه مروان فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : بعثت عاملا فأخذ ذودي بمرة « 2 » ، وتركني وعيالي لا يجد شيئا ، فقلت : أذهب إلى الذي بعثك فاقتله ؛ فهو أصل هذا ، فجاء ما ترى ، فحبسه مروان حينا في السجن ، ثم أمر به فاغتيل سرا ، فكانت المقصورة . ورواه ابن شبة بنحوه ، إلا أنه سمى الرجل في موضع دبا ، وفي آخر ذبابا ، وقال : بعثت عاملك ، فأخذ مني بقرة ، فتركني وعيالي لا نجد شيئا ، وأنا امرؤ خبيث النفس ، فقلت : أذهب إلى الذي بعثه فأقتله فهو أصل هذا ، فجاء ما ترى ، فحبسه مروان في الحبس حينا ، ثم أمر به فاغتيل سرا ، وعمل المقصورة . قلت : وجزم بذلك في العتبية فيما حكاه ابن رشد في بيانه ، فقال في كتاب الصلاة : مسألة قال مالك : أول من جعل المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني ، قال : فجعل مقصورة من طين ، وجعل فيها تشبيكا ، انتهى . قال ابن رشد في شرح ذلك : وجه قوله هذا الإعلام بأن المقصورة محدثة لم تكن على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا على عهد الخلفاء بعده ، وإنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم ، فاتخاذها في الجوامع مكروه انتهى . وفي شرح مسلم للنووي أن أول من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية رضي اللّه عنه حين ضربه الخارجي ، انتهى .

--> ( 1 ) الساعي : عامل الصدقات . ( ج ) سعاة . ( 2 ) الذود : القطيع من الإبل بين الثلاث إلى العشر . وفي الحديث : « ليست فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة » . وفي المثل : « الذود إلى الذود إبل » : يضرب في اجتماع القليل إلى القليل حتى يؤدّي إلى الكثير . ( خ ) أذواد .