نورالدين علي بن أحمد السمهودي

81

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه روينا في صحيح البخاري وسنن أبي داود عن نافع أن عبد الله - يعني ابن عمر - أخبره أن المسجد كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا ، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة « 1 » ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج . وروى أبو داود أيضا - وسكت عليه - عن عطية عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : إن مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانت سواريه على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من جذوع النخل ، أعلاه مظلل بجريد النخل ، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه فبناها بجذوع النخل وبجريد النخل ، ثم إنها نخرّت في خلافة عثمان رضي اللّه عنه فبناها بالآجر ، فلم تزل ثابتة حتى الآن ، هكذا رأيته في أصول متعددة معتمدة من السنن ، وأورده المجد بلفظ : ثم إنها نخرت في خلافة عمر - بدل أبي بكر - ولم أره في شيء من النسخ . وفي هذا الخبر ما يقتضي أن السبب في بناء عثمان للمسجد كون الجذوع التي هي السواري نخرت ، وأن عثمان بناها بالآجر لا الحجر ، فلعل البعض كان في زمنه مبنيا بالآجر وهو بعيد ، وما تقدم من رواية الصحيح أصح . وفي صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد ، فكره الناس ذلك ، وأحبوا أن يدعه على هيئته ، فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : من بنى « مسجدا لله » بنى اللّه له في الجنة مثله . وفيه وفي البخاري عن عبيد اللّه الخولاني أنه سمع عثمان عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول : إنكم قد أكثرتم ، وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : من بنى مسجدا لله عز وجل ، الحديث . وقوله في الرواية الأولى إن عثمان أراد بناء المسجد يبين أن المراد من قوله حين بناء المسجد حين أراد بناءه ، إلا أن يكون ذلك قد تكرر من عثمان لتكرر كلامهم قبل البناء وبعده ، وهو الأقرب ، وقوله « وأحبوا أن يدعه على هيئته » أي بجذوع النخل واللبن كما فعل عمر رضي اللّه عنه لموافقته لفعله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولهذا قال البغوي في شرح السنة : لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة ، لا مجرد توسيعه ، اه . ويؤيده ما سيأتي من

--> ( 1 ) القصّ : الجصّ . وسمي موضع قرب المدينة بذي القصّة لأن به الجصّ .