نورالدين علي بن أحمد السمهودي
8
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
لئلا يفتن بها الناس ، كما أزيلت الجزعة التي كانت في المحراب القبلي ، وذكر قصة الجزعة التي قدمناها . وقال المجد : إن الخشبة المذكورة كان يزدحم على زيارتها والتمسح بها ، ويعتقد الناس عامة أنها الجذع ، فظن بعض الفقهاء أن هذا من المنكر الذي يتعين إزالته ، وصرح بهذا في كتبه ، إلى أن وافق على ذلك شيخنا العز بن جماعة فأمر بإزالتها ، إلى آخر ما قدمناه عنه . قال : وكان موضع الخشبة من الأسطوان المذكور على مقدار ذراعين من الأرض ارتفاعا ، وقد طلي عليه بالقصة ، ولا عين منه ولا أثر . قلت : الذي يظهر - كما قدمته - أن هذه الخشبة كانت من العود الذي كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يضع يده عليه ويقول : عدلوا صفوفكم ، كما تقدم ، والله أعلم . عود إلى الاختلاف في صانع المنبر ونقل ابن زبالة الاختلاف في الذي عمل المنبر ، فقيل : غلام نصيبة المخزومي ، وقيل : غلام للعباس ، وقيل : غلام لسعيد بن العاص يقال له باقول ( بموحدة وقاف مضمومة ) وقيل : غلام لامرأة من الأنصار من بني ساعدة ، أو لامرأة لرجل منهم يقال له مينا ، وقوله « يقال له مينا » يحتمل المولى وزوج المرأة ، لكن عند يحيى قال إسماعيل بن عبد الله : الذي عمل المنبر غلام الأنصارية واسمه مينا ، وعند ابن بشكوال عن أبي بن أويس : عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة أو بني ساعدة أو امرأة لرجل منهم يقال له مينا ، وهذا محتمل كالأول ، وقيل : عمله تميم الداري ، هذا حاصل ما ذكره ابن زبالة ، وفي رواية ليحيى : عمل المنبر صباح غلام العباس ( بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة ) وتقدم تسميته كلابا ، ونقل المراغي عن بعض شيوخه أن الذي عمله باقوم ( بالميم ) باني الكعبة لقريش ، وفي الاستيعاب عن باقوم الرومي قال : صنعت لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم منبرا من طرفاء له ثلاث درجات : المقعدة ، ودرجتيه ، قال ابن عبد البر : وإسناده ليس بالقائم . وفي طبقات ابن سعد أن الصحابة قالوا : يا رسول الله إن الناس قد كثروا ، فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ما شئتم ، قال سهل رضي الله عنه : ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذاك النجار إلى الغابة فقطعنا هذا المنبر من أثلة ، وفي لفظ : فحمل سهل منهن خشبة ، قال المجد : إسنادهما صحيح ، وعند قاسم بن أصبغ : وكان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون ، فذكر الحديث ، وعند الطبراني عن سهل : كنت جالسا مع خال لي من الأنصار ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : اخرج إلى الغابة وأتني من خشبها فاعمل لي