نورالدين علي بن أحمد السمهودي
33
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
الحكمة ، وإنما اختلفوا في ذلك المعنى ما هو ، فقيل : اللفظ على حقيقته ، وإن ذلك روضة من رياض الجنة بمعنى أنه بعينه نقل من الجنة ، أو أنه سينقل إليها ، وقيل : مجاز معناه أن العبادة فيه تؤدّي إلى الجنة ، أو لما ينزل فيه من الرحمة وحصول المغفرة ، كما سمي مجالس الذكر رياض الجنة في حديث : « إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا » « 1 » وفي رواية لأبي هريرة : « قلت : ما رياض الجنة ؟ قال : المساجد ، قلت : وما الرتع ؟ قال : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله أكبر » . وقال ابن عبد البر : لما كان صلّى اللّه عليه وسلّم يجلس في ذلك الموضع ويجلس الناس إليه للتعلم شبّهه بالروضة ؛ لكريم ما يجتنى فيه ، وأضافها إلى الجنة لأنها تؤول إلى الجنة ، كقوله : « الجنة تحت ظلال السيوف » أي أنه عمل يدخل الجنة . وقال الخطابي : روضة من رياض الجنة بالطاعة فيه ، كقوله : « عائد المريض في مخرفة الجنة » « 2 » أي يرجى له بذلك مخرفة الجنة ؛ فأطلق اسم المسبب على سببه كقوله : « الجنة تحت أقدام الأمهات » . هذا ما نقله الخطيب ابن حملة من المعاني ، ثم تعقب الأخير بأنه لا يبقى حينئذ لهذه الروضة مزية ، وقد فهم الناس من ذلك المزية العظيمة التي بسببها فضلها مالك على سائر البقاع . وقد تعقب الجمال الريمي الخطيب في ذلك ، وقال : أظهر المعاني تضعيف أجر الطاعات ، وتعليم الناس وجوه الخير ؛ لاتفاق الخطابي وابن عبد البر عليه ، وهما عمدة الأمة في فقه الحديث ، ولأن النظائر تؤيده ، وأما المعنيان الآخران فلم يعزهما الخطيب إلى أحد ، فدل على ضعفهما ، ولم يذكر عياض القول بأن هذا الموضع بعينه نقل من الجنة ، وذكر ما عداه ، فدل على شذوذه ؛ لأن مثل هذا طريقه التوقيف كما جاء في الركن والمقام ، على أن القول به يؤدي إلى إنكار المحسوسات أو الضروريات ، وجواب ما ذكره الخطيب أن المزية ظاهرة ، وهو أن العمل في النظائر المتقدمة يؤدي إلى رياض الجنة ، والعمل في هذا المحل يؤدي إلى روضة أعلى من تلك الرياض . قلت : إنما حمله على هذا ذهابه إلى أن اسم الروضة يعم جميع مسجده صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنه إذا
--> ( 1 ) ارتعوا أي انعموا في خصب وسعة . ( 2 ) المخرفة : البستان ، والسّكة بين صفين من نخيل ، والطريق الواضح ، جمع مخاريف .