نورالدين علي بن أحمد السمهودي

232

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وفرق بالمدينة الشريفة مالا جزيلا ستة آلاف دينار أو أكثر ، ودفع إليّ على يد إمامه المشار إليه من ذلك جزءا وافرا ، وتكلمات معه في رفع مكوس المدينة وتعويض أميرها عن ذلك شيئا ، فأفهم الوعد به ، وسألني عن أمر دار العباس التي اشتريت له ، وكانت سببا في قتل القضائي الزكوي تغمده اللّه تعالى برحمته لعدم السياسة في أخذها ، فأخبرته بحقيقة الحال ، فقال : لم لم تكتب إليّ بهذا ؟ فاعتذرت له بعذر قبله ، وتبرأ من جميع ما فعلوا فيها ، ووعد بما يكون فيه صلاح أمرها ، ثم وفى بذلك بعد عوده ، فزادهم مبلغا كثيرا رضوا به ، وتفضل بالتشريف بطلب الكتابة إليه بما يكون فيه صلاح أحوال المدينة والتنبيه على من يردها من المحتاجين . ثم توجه في الرابع والعشرين من الشهر المذكور مصحوبا بالسلامة إلى مكة المشرفة ماشيا على أقدامه بين فقراء المدينة وفقهائها حتى خرج من باب المدينة ، فوقف هناك ، وقرأنا له الفاتحة ، ثم ركب جواده ، أدام اللّه تأييده وحرسه من الردى ، وأنار له طرق الحق والهدى . ثم قدمت مكة صحبة الحاج الشامي فوجدته قد سلك بها مسلك التواضع أيضا ، وتصدق فيها بمال جزيل أكثر مما تصدق بالمدينة الشريفة . ولما اجتمعت بإمامه المشار إليه بمكة المشرفة تذاكرنا الصدقة الشريفة بالمدينة الشريفة وعمومها ، وما حصل بها من النفع ، فذكرت له أن أربعة من فقراء المغاربة لم يأخذوا شيئا لملازمتهم لرباطهم ، وعدم إتيانهم لمن كان يفرق ، وأن شخصا آخر مستحقا كنت أود لو حصل له أكثر مما دفع له ، فبلغ ذلك السلطان ، فلما كان في أوسط أيام منى توجهت لوداع الإمام المشار إليه ، فأشار بموادعة السلطان ، فقلت له : أخشى أن يتوهم أن المجيء لقصد آخر ، فقال : لا بد من موادعته ، فتوجهنا إليه فحصل منه من الإكرام ما أطلب له الجزاء عليه من أكرم الأكرمين ، ثم قال : أنتم ذكرتم للإمام كيت وكيت ، فلم ينس ما تقدم ذكره من أمر جماعة الفقراء ، فقلت له : نعم ، فأمر لهم بمائة دينار أقسمها عليهم لكل واحد عشرون دينارا ، ثم قال : هل بقي أحد ؟ فقلت له : ما أستحضر أحدا ، ورأيت له اهتماما تاما بتعميم جيران الحضرة الشريفة ، ووادعني قائما وسأل عن أمر الطابق المذكور لما قدمنا مكة ، وأمر بأن لا يفتح ، وأن يسد بعد ذلك ، فلما بلغ شيخ الخدام بالمدينة الشريفة منع من فتحه عند قدوم الحاج المصري في هذا العام ، ولكن بقي سده ، فإن الطريق في قطع الشر قلع أصوله ، وقد وعد بسده . وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة ثم إن السلطان أيده اللّه تعالى رجع إلى مصر مصحوبا بتأييد اللّه ونصره ، فبلغنا أنه