نورالدين علي بن أحمد السمهودي

21

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

ولأحمد والترمذي من وجه آخر عن أبي سعيد : اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسألاه عن ذلك ، فقال : هو هذا ، وفي ذلك - يعني مسجد قباء - خير كثير ، وأخرجه أحمد من وجه آخر مرفوعا ، وفي العتبية عن مالك ما لفظه : وقال : المسجد الذي ذكر الله عز وجل أنه أسس على التقوى من أول يوم الآية هو مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هذا ، أي مسجد المدينة ، ثم قال : أين كان يقوم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ أليس في هذا ؟ ويأتونه أولئك من هنالك . وقد قال الله سبحانه وتعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً [ الجمعة : 11 ] فإنما هو مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد قال عمر بن الخطاب : لولا أني رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أو سمعته يريد أن يقدم القبلة ، وقال عمر بيده هكذا ، ما قدمتها ، ثم قدمها عمر موضع المقصورة الآن ، انتهى . قال ابن رشد في بيانه : ما ذهب إليه مالك مروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء ، فاستدلوا بما روي أن الآية لما نزلت قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : يا معشر الأنصار ، إن الله قد أثنى عليكم خيرا ، الحديث ، قال : ولا دليل فيه ؛ لأن أولئك كانوا في مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه كان معمورا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم ، قال : واستدلال مالك بقول عمر المتقدم ظاهر ؛ لأن الله تعالى لما ذكر فيه أنه أسس على التقوى لم يستجز نقض بنائه وتبديل قبلته ، إلا بما سمع من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ورآه قد أراد أن يفعله . قلت : ما ذكره مالك من كون مسجد المدينة هو المراد هو ظاهر ما قدمناه ، لكن قوله تعالى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يقضي أنه مسجد قباء ؛ لأنه ليس المراد أول أيام الدنيا ، بل أول أيام حلوله صلّى اللّه عليه وسلّم بدار الهجرة ، وذلك هو مسجد قباء إلا أن يدعى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شرع في تأسيس مسجد المدينة أيضا من أول يوم قدومه لها ، أو يقال : المراد من أول يوم تأسيسه ، وسيأتي في مسجد قباء أشياء صريحة في أنه المراد ؛ فتعين الجمع بأن كلا منهما يصدق عليه أنه أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه كما هو معلوم ، وأنهما المراد من الآية ، لكن يشكل عليه كون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أجاب عند السؤال عن ذلك بتعيين مسجد المدينة ، وجوابه أن السر في ذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أراد به رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء كما هو ظاهر ما فهمه السائل ، وتنويها بمزية مسجده الشريف لمزيد فضله ، والله أعلم . فضل مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وفي الصحيحين حديث أبي هريرة « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى » . وعند مسلم : « إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد : الكعبة ، ومسجدي ، ومسجد إيلياء » .