نورالدين علي بن أحمد السمهودي

192

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وحديث ابن عمر رواه البزار وابن خزيمة في صحيحه ، وروى أحمد عن أبي أمامة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « البصاق في المسجد سيئة ، ودفنه حسنة » . ورواه ابن شبة بمعناه . وروى أيضا عن أبي هريرة قال : « إن المسجد لينزوى من النخامة كما ينزوي الجلد من النار » ولهذا جزم النووي في التحقيق وشرح المهذب بتحريمه . ووقع في عبارة بعض أصحابنا التعبير بالكراهة ، وحملها بعضهم على كراهة التحريم ، وقال بعض العلماء : إنما يكون البزاق في المسجد خطيئة لمن لم يدفنه لأنه يقذر المسجد ويتأذى به . قال القرطبي : ويدل على صحة هذا التأويل حديث أبي ذر الذي رواه مسلم وغيره : « ووجدت في مساوي أعمالها - أي : الأمة - النخامة تكون في المسجد لا تدفن » فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد ، بل بذلك وببقائها غير مدفونة . قلت : الرواية الأولى بينت أن الفعل خطيئة ، وأن الدفن يكفرها كما يكفر الجلد معصية الزنا ، فلتحمل الرواية الأخرى عليها ؛ لأن الإخبار فيها عما استقر عليه الأمر ، لكن روى ابن شبة من طريق الفرج بن فضالة عن أبي سعيد قال : رأيت واثلة بن الأسقع دخل مسجد دمشق فصلى فيه ، فبزق تحت رجله اليسرى ثم عركها ، فلما انصرفت قلت له : أنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تبزق في المسجد ؟ فقال : هكذا رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صنع . ورواه أبو داود من الطريق المذكورة بنحوه ، وفرج بن فضالة ضعّفه الدارقطني وغيره ، وقواه أحمد ، واقتصر الحافظ ابن حجر في التقريب على تضعيفه . وروى ابن شبة أيضا بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من دخل مسجدي هذا فبزق أو تنخم فليحفر فليبعد وليدفنه ، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه حتى يخرج به » وهذا لو صح كان حجة لهذا المذهب . فإن قيل : يعضده حديث البخاري عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « رأى نخامة في القبلة ، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه ، أو إن ربه بينه وبين القبلة ، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا ؟ وكذا ما رواه ابن شبة بإسناد جيد عن أبي نضرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « رأى نخامة في قبلة المسجد ، فغضب غضبا شديدا حتى كاد يدعو على صاحبها ، ثم قال : لا يبزق أحدكم في قبلته ؛ فإن ربه مستقبلة ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ، فإن كان على يساره أحد فليبزق في ثوبه » وفي رواية : « فإن أكن عن يساره أحد يكره أن يبزق نحوه فليبزق في ثوبه ، وبزق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ثوبه وحكّ بعضه ببعض » فاقتضى ذلك جواز البصاق في المسجد فيما عدا القبلة واليمين حالة الصلاة ، وهو مقيد بالدفن لما سبق .