نورالدين علي بن أحمد السمهودي
176
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
وعلق منها شيء بالمنارة الرئيسية فاحترقت ، ووصلت النار لثياب الريس شمس الدين محمد رحمه الله تعالى فاحترقت بعد موته ، وصارت النار ترمي بشرر كالقصر فتسقط بالبيوت المجاورة للمسجد ، ومع ذلك فلا تؤثر فيها ، حتى سقط بعض الشرر على سعف فلم يحترق ، وحمل بعض خزائن الكتب من تحت سقف المسجد إلى صحنه فأصابها الشرر فأحرقها . ونقل عن جمع كثير أنهم شاهدوا حينئذ أشكال طيور بيض كالإوز يحومون حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران . وأخبر أمير المدينة الشريفة السيد الشريف زين الدين فيصل الجمازي أن شخصا من العرب صادق الكلام رأى في المنام ليلة ثاني عشر من شهر رمضان أن السماء فيها جراد منتشر ، ثم عقبته نار عظيمة ، فأخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم النار وقال : أمسكها عن أمتي ، فجزاه اللّه عن أمته - خصوصا عن جيرانه - أفضل ما جزى نبيّا عن أمته . وحكى أيضا عن بواب رباط السبيل أنه ذكر مثل تلك الرؤيا عن غيره ، كتب لي بذلك صاحبنا العلامة شيخ المحدثين بالحرم النبوي الشيخ شمس الدين بن شيخنا العلامة ناصر الدين العثماني أمتع اللّه به . هذا ما حصل لأهل المدينة الشريفة من الدهشة العظيمة والحيرة لما شاهدوا من هول هذه النار ومنظرها الفظيع ، حتى أيقن بعضهم بالهلاك ، وانتقل بعض أهل الدور منها لما وصل إليهم الشرر ، وخرج بعضهم من باب المدينة الذي يلي البقيع ، وبعضهم من بابها الذي يلي المصلى ، وظنوا أن النار محيطة بهم . قال الشمس العثماني : وصار لجميع المدينة من جميع جهاتها بالبكاء ضجيج ، وبالدعاء عجيج ، قال : وأمر هذه النار عجيب ، وليس الخبر كالمعاينة ، وصار المسجد كالتنور ، ولم يمض إلا أقل من عشر درج وقد استولى الحريق على جميع سقف المسجد وحواصله وأبوابه وما فيه من خزائن الكتب والربعات والمصاحف ، غير ما وقعت المبادرة لإخراجه أولا وهو يسير ، وغير القبة التي بصحن المسجد ، وسبق ذكر سلامتها في الحريق الأول ، وكنت تركت كتبي بالخلوة التي كنت أقيم بها في مؤخر المسجد ، فكتب إليّ باحتراقها ، ومنها أصل هذا التأليف وغيره من التآليف والكتب النفيسة نحو ثلاث مائة مجلد ، فمنّ اللّه تعالى عليّ ببرد الرضى والتسليم ، وفراغ القلب عن ذلك ، حتى ترجحت هذه النعمة عندي على نعمة تلك الكتب لما كنت أجده قبل من التعلق بها ؛ فلله الحمد والشكر على ذلك . هذا ، مع ما منّ اللّه به علي من غيبتي عن هذا الأمر المهول ؛ فإن وقوعه كان في ليلة الوصول إلى الحرم المكي ، ولم يتفق لي منذ سكنت المدينة الخروج منها في رمضان ، بل كنت ألازم المسجد النبوي فيه من أوله إلى آخره ليلا ونهارا ، فكان ذلك سبب النجاة من هذا الأمر .