نورالدين علي بن أحمد السمهودي

173

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

متفاوت العرض ؛ فجعلوا ما يلي المشرق منه - وهو الموضع المحاذي للأسطوانة التي وقعت الزيادة في العرض لأجل إدخالها وإدغامها بذلك - أزيد من الجهة التي تلي المغرب منه بنحو نصف ذراع ؛ فإنهم جعلوا عرض الجدار في هذه الجهة من أسفل عقد القبة نحو ثلاثة أذرع بذراع اليد ، وعرضه في الجهة الأخرى دون ذلك بنحو نصف ذراع ، بحيث صارت جهة الأسطوان المذكور بارزة عن بقية ذلك الجدار في الرحبة المذكورة كما سيأتي تصويره . وقد جعلوا على رأس هذا الجدار بناء يسيرا مما بقي من اللبن الذي أخرج من بعض جدار الحجرة كما تقدم وصفه ، بعد أن تفرق اللبن المذكور ، وأخذ الكثير منه . وتركوا في نحو وسط هذا الجدار خوخة ، فلما لم يبق إلا هي أدخلوا منها شيئا كثيرا من الحصباء جاءوا بها من عرصة العقيق من جنس حصباء المسجد بعد غسلها بالماء ليضعوها على القبور الشريفة ، وكنت قد ذكرت لبعضهم أن موضع القبر الشريف النبوي مما يلي الجدار القبلي ، وأنه يستنبط مما قدمناه في مسمار الفضة المحاذي للوجه الشريف أن أول القبر الشريف من جهة المغرب على نحو ذراعين بذراع اليد من الحائط الغربي ؛ لأنا إذا أسقطنا عرض الجدارين الغربيين - وهما الجدار الداخل والخارج ، وهو نحو ثلاثة أذرع مما بين المسمار وأول الجدار الظاهر الغربي وهو نحو خمسة أذرع كما تقدم - كان الباقي نحو الذراعين إلى الرأس الشريف ، فاستحسن ذلك ، فحضر معهم لما دخلوا من الخوخة المذكورة لوضع الحصباء على القبور الشريفة ، فوضعوا ذلك على المحل الشريف المذكور كما وصفت ، وأخذوا بالهيئة المشهورة في كيفية القبور الشريفة من أن رأس أبي بكر رضي اللّه عنه خلف منكب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورأس عمر رضي اللّه عنه خلف منكب أبي بكر ، فوضعوا الحصباء عليهما كذلك وكان بعض المباشرين لذلك حنفيا - وهو صهر متولي العمارة - فجعلها مسنّة ، وذلك بعد أن أكثروا في الموضع المذكور من البخور بالعود والعنبر وغيرهما من أنواع الروائح ، وعرف المحل الشريف على ذلك كله راجح فائح ، ولله در القائل : بطيب رسول اللّه طاب نسيمها * فما المسك ما الكافور ما المندل الرّطب وألقى جماعة من الناس من تلك الخوخة أوراقا كتبوا فيها التشفع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومارب يسألونها بالحجرة الشريفة ، ثم سدوا الخوخة المذكورة ، وأحكموا بناءها كبقية الجدار ، وبيضوا القبة المذكورة وجميع جدرانها من خارجها بالجص ، وجاءت حسنة فاض عليها أنس المحل الشريف ، ونصبوا بأعلاها هلالا من نحاس يظنه الرائي ذهبا ، وهو قريب من سقف المسجد الأول ؛ فإن القبة المذكورة تحته ، ثم سدوا ما بقي من نقب الجدار الظاهر ، وحضرت معهم في ذلك الوقت ، وحضرت أيضا بعض بناء الحجرة الشريفة ، وتبركت بالعمل فيه ، ولم أحضر غير ذلك طلبا للسلامة ، وأنشدت في ذلك المحل الشريف قصيدتي التي تطفلت بها على واسع كرم الجناب الرفيع الحبيب الشفيع الحالّ بذلك الحمى المنيع ، التي أولها :