نورالدين علي بن أحمد السمهودي

170

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وقد هبّت نسيمات لنجد * فطب واشرب بكاسات كبار فما وقت يمرّ بمستعاد * وما دار الأعزّة بالقرار فودّع أرض نجد قبل بعد * فما نجد لمرتحل بدار أقول لمن يمرّ بأرض نجد * ويظفر من رباها بالديار تزود من شميم عرار نجد * فما بعد العشية من عرار وقل أيضا لمغتنم صفاء * على معنى يلوح لذي اعتبار إذا العشرون من شعبان ولّت * فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار * فإن الوقت ضاق على الصغار فلما قضيت من ذلك الوطر ، متعت عيني من تلك الساحة بالنظر ، لأتحف بوصفها المشتاقين ، وأنشر من طيب أخبارها في المحبين ، فتأملت الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية ، وتناولت من ترابها بيدي فإذا فيه نداوة وحصباء كالحصباء المتقدم وصفها بين الجدارين يظهر عند فحصه بالأصابع ، ولم أجد للقبور الشريفة أثرا ، غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا ، توهموا أنه القبر الشريف النبوي ، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا ، ومنشأ ذلك الوهم جهل من كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة ، وذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا ، ولعله قبر عمر رضي اللّه عنه ؛ لأن الشافعي رضي اللّه عنه قد نص على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما لحد له في جدار القبلة . قال الشافعي ، فيما نقله عنه الأقشهري ردا على من قال إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أدخل لقبره معترضا : هذا من فحش الكلام في الأخبار ؛ لأن قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان قريبا من الجدار ، وكان اللحد تحت الجدار ، فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى سلّ معترضا ؟ فدلّ على أن هذا النقل غير صحيح ، انتهى . وروى ابن عساكر عن جابر رضي اللّه عنه قال : رشّ قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرّجه بالماء إلى الجدار ، لم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره وبين حائط القبلة نحوا من سوط . وقال ابن سعد في طبقاته : أخبرنا شريح بن النعمان عن هشيم قال : أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال : سقط حائط قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في زمن عمر بن عبد العزيز - وهو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد - فكنت في أول من نهض ، فنظرت إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا ليس بينه وبين حائط عائشة رضي اللّه عنها إلا نحو من شبر ، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة ، وعلى تقدير أن يكون ثمّ موضع بين