نورالدين علي بن أحمد السمهودي
152
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
ما أصبح الحرم الشريف محرّقا * إلا لسبكم الصحابة فيه قلت : وهذا لأن الاستيلاء على المسجد والمدينة كان في ذلك الزمان للشيعة وكان القاضي والخطيب منهم ، حتى ذكر ابن فرحون أن أهل السنة لم يكن أحد منهم يتظاهر بقراءة كتب أهل السنة . قال المؤرخون : ولم يسلم سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين اللّه لحفظ ذخائر الحرم مثل المصحف الكريم العثماني وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ صنعت - يعني تلك الصناديق - بعد الثلاثمائة ، وهي باقية إلى اليوم ، يعني في زمانهم ، وذلك لكون القبة المذكورة بوسط صحن المسجد وببركة المصحف الشريف العثماني . وكانت عمارة القبة المذكورة - على ما ذكره ابن فرحون - سنة ست وسبعين وخمسمائة . قالوا : وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل ، وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ، ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة . وعبارة الذهبي وتبعه التقي السبكي : فوقع بعض سقف الحجرة ، وكل ذلك قبل أن ينام الناس ، وأصبحوا يوم الجمعة فعزلوا موضعا للصلاة ، وكتب بذلك للخليفة المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله بن المستنصر بالله في شهر رمضان ، فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب العراق في الموسم ، وابتدئ بالعمارة أول سنة خمس وخمسين وستمائة . الشروع في العمارة بعد الحريق قال المطري : ولما شرعوا في العمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة فلم يجسروا على ذلك ، واتفق رأي صاحب المدينة يومئذ - وهو الأمير منيف بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهني الحسيني - ورأى أكابر أهل الحرم الشريف من المجاورين والخدام أن يطالع الإمام المستعصم بذلك ليفعل ما يصل به أمره ، فأرسلوا بذلك ، وانتظروا الجواب ، فلم يصل إليهم جواب لاشتغال الخليفة وأهل دولته بإزعاج التتار لهم ، واستيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة ، فتركوا الردم على ما كان عليه ، ولم ينزل أحد هناك ، ولم يتعرضوا له ولا حركوه . وعبارة المجد الشيرازي : فتركوا الردم على ما كان عليه ، ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدام ، ولا يتأتى من كل أحد بادئ بدئه الدخول فيه والإقدام . قلت : وقد كنت في تعجب عظيم من أهل ذلك الزمان في تركهم لذلك ، وألفت كتابا سميته « الوفا ، بما يجب لحضرة المصطفى » بينت فيه أن الواجب في سلوك الأدب مع هذا