نورالدين علي بن أحمد السمهودي
90
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
ويحتمل التأخير إلى الإتلاف ، انتهى . ولا فرق في هذا بين صيد وصيد ، ولا بين شجرة وشجرة ، وكأن السلب في معنى العقوبة لمتعاطي ذلك . قال السراج البلقيني : ولو كان الصائد أو قاطع الشجر في حرم المدينة عبدا هل يسلب ثيابه كما اتفق لسعد بن أبي وقاص ؟ قال : والذي يقتضيه النظر أنه لا يسلب العبد ؛ فإنه لا ملك له ، وكذلك لو كان على الصائد ثوب مستأجر أو مستعار فإنه لا يسلب ، ولم أر من تعرض له ، انتهى . قلت : التحقيق التفصيل بين ما إذا أمره السيد أو من في معناه بذلك وبين ما إذا لم يأمره ، ويحمل ما اتفق لسعد على الأول ، ولو كان على الصائد والمحتطب ثياب مغصوبة لم تسلب بلا خلاف ، كما نقله في شرح المهذب ، ونقله في المطلب عن البحر ، ثم قال : وينبغي أن تكون المستعارة كذلك ، ولو لم يشاهده أحد يصطاد فالظاهر أنه يجب عليه حمل السلب إلى نائب الإمام ، ولو تحدث بحضرة أحد فسمعه فهل يجوز له أن يسلبه ؟ الظاهر عندي لا ، انتهى . ولو أدخل إلى حرم المدينة صيدا لم يلزمه إرساله ، وله ذبحه به اتفاقا ، وكذا حرم مكة عندنا . وقد روى البيهقي أن أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقدمون مكة فيرون بها في الأقفاص القماري « 1 » واليعاقيب ، وهذا محمل حديث « يا أبا عمير ، ما فعل النغير « 2 » » أو أنه كان قبل تحريم المدينة ؛ لأنه في أول الهجرة ، وتحريم المدينة كان بعد رجوعه صلّى اللّه عليه وسلّم من خيبر ، كما أوضح ذلك الحافظ ابن حجر . وقد تمسك أبو حنيفة بقصة أبي عمير فيما ذهب إليه من عدم تحريم صيد المدينة ؛ لذهابه في حرم مكة إلى وجوب الإرسال على من أدخل إليه صيدا من خارجه ، قال : فلو حرم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صيد المدينة لما أقر النغير في يد أبي عمير . وجوابه ما تقدم ، قال البيهقي : والذاهب إلى عدم تحريم الصيد وغيره بالمدينة زعم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما أراد بقاء رينة المدينة وبهجتها لتستوطن كما منع من هدم آطام المدينة لذلك ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : نهى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عن هدم آطام المدينة ، وقال : إنها زينة المدينة ، أي فالنهي للتنزيه . قال البيهقي : والنهي عندنا على التحريم حتى تقوم دلالة على التنزيه ، قال : واستدل المخالف بحديث سلمة « أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيّعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت ، فإني أحب العقيق » قال البيهقي : وهو حديث ضعيف ، ومن يدعي العلم بالآثار لا ينبغي له أن يعارض الأحاديث الثابتة في حرم المدينة لهذا الحديث الضعيف ، وقد يجوز أن يكون الموضع الذي كان سلمة يصيد فيه خارجا من حرم المدينة ، والموضع الذي رأى فيه سعد بن أبي وقاص غلاما يقطع شجرا من حرم المدينة داخله ، حتى لا يتنافيان ، ولو اختلفا كان الحكم لرواية
--> ( 1 ) القماري : واحدها القمريّ : ضرب من الحمام مطوّق حسن الصوت . ( 2 ) النّغير مصغر النّغر ( ج ) نغران : فرخ العصفور . و - البلبل .