نورالدين علي بن أحمد السمهودي

87

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

أن ينزل بياقوتة من الجنة ، فنزل بها ، فمسح بها رأس آدم ، فتناثر الشعر منه ، فحيث بلغ نورها صار حرما ، وهو من جنس ما قبله . وقيل غير ذلك ؛ وحينئذ فيحتمل : أن تكون الملائكة الموكلة بحراسته صلّى اللّه عليه وسلّم وحراسة بلده الشريف قائمة بتلك الحدود ، فانتهى الحرم إليها ، ويحتمل : أن درته الشريفة التي خلق منها لما كان مأخذها موضع قبره الشريف ، وهو أعظم رياض الجنة ، واشتمل مسجده أيضا على روضة من رياض الجنة ، انبثت الأنوار من ذلك إلى ما لا يعلم غايته إلا الله ، ولكن أبصار الناظرين لها غايات ؛ فقد يكون انتهاؤها إلى تلك الحدود فانتهى الحرم إليها ، ويحتمل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم قدومه إلى المدينة انتشرت الإضاءة ، وشوهد وصولها إلى تلك الحدود ، وسيأتي قول أنس بن مالك في وصف يوم قدومه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما رأيت مثل ذلك اليوم قط ، والله لقد أضاء منها كل شيء ، يعني : المدينة ، والله أعلم . الفصل الثالث عشر في أحكام هذا الحرم الشريف ، وفيه مسائل الأولى : القول في تحريم الصيد وقطع الشجر اتفق الشافعي ومالك وأحمد على تحريم صيد حرم المدينة ، واصطياده ، وقطع شجره . وقال أبو حنيفة : لا يحرم شيء من ذلك ، والأحاديث الصحيحة الصريحة حجة عليه ، وقد قدمنا جملة منها ، ولو لم يكن إلا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كما حرم إبراهيم مكة » لكان كفاية ؛ فإنه يتمسك به في كل ما لم يقم دليل على افتراق الحرمين فيه . وروى أبو داود - وسكت عليه ، قال النووي : وهو صحيح أو حسن ، أي : كما هو قاعدته فيما يسكت عليه - أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فسلبه ثيابه ، فجاء مواليه فكلموه فيه ، فقال : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم « حرم هذا الحرم ، وقال : من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه » وسيأتي عنه نحوه في قطع الشجر ، وفي الموطأ عن أبي أيوب الأنصاري أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى زاوية ، فطردهم عنه ، قال مالك : لا أعلم إلا أنه قال : أفي حرم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يصنع هذا ؟ وروى الطبراني برجال الصحيح مثله عن زيد بن ثابت بدل أبي أيوب ، وفي الموطأ أيضا أن رجلا قال : دخل علي زيد بن ثابت وأنا بالأسواف « 1 » ، وقد اصطدت نهسا « 2 » فأخذه من يدي ، فأرسله . ورواه

--> ( 1 ) الأسواف : موضع بين الحرتين ، ببعض أطراف المدينة . ( 2 ) النهس : طائر من الفصيلة الصردية لونه كستنائي وهو أكبر من العصفور ، ضخم الرأس والمنقار ، شرس الطباع .