نورالدين علي بن أحمد السمهودي
75
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
الفصل الثامن في الأحاديث الواردة في تحريمها ، وهي كثيرة روينا في الصحيحين منها حديث عبد الله بن زيد « إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها » ، وفي لفظ « ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة » الحديث . وفي البخاري حديث أبي هريرة رضي الله عنه « حرم ما بين لابتي المدينة على لساني » قال : وأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بني حارثة فقال : « أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم ، ثم التفت فقال : بل أنتم فيه » وسيأتي بيان منازلهم ، وفيه أيضا عنه : لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها ، قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما بين لابتيها حرام » وهو في مسلم بزيادة ، ولفظه « جرم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ما بين لابتي المدينة » قال أبو هريرة : فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها ، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى . وفي مسلم أيضا عن عاصم الأحول : « سألت أنسا أحرم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة ؟ قال : نعم ، هي حرام : لا يختلى خلاها « 1 » ، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » . وفيه أيضا حديث رافع بن خديج رضي الله عنه « إن إبراهيم حرم مكة ، وإني أحرم ما بين لابتيها » يريد المدينة . وفيه أيضا حديث جابر « إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها : لا تقطع عضاهها ، ولا يصاد صيدها » . وفيه أيضا من حديث أبي سعيد الخدري « اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما ، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها ، أن لا يهراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يخبط « 2 » فيها شجرة إلا لعلف » الحديث . وفيه أيضا من حديث أنس « اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم عليه السلام مكة » . قلت : المراد بجبليها عير وثور ، وهما المعبر عنهما في الحديث قبله بمأزميها على ما صوبه النووي ، ونسبة تحريم مكة لإبراهيم عليه السلام دليل لما ذهب إليه جماعة من أنها لم تزل حلالا كغيرها إلى زمن إبراهيم عليه السلام ، فحرمت ، والثاني - وصححه النووي ، ونقل عن الأكثرين - أنها لم تزل حراما منذ خلق الله السماوات والأرض ، ثم أظهر الله
--> ( 1 ) اختلى : قطع ونزع . الخلا : الرطب من النبات . ( 2 ) خبط الشجرة بالمخبط : ضربها به ليسقط ورقها .