نورالدين علي بن أحمد السمهودي

64

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

الفصل السابع في سرد خصائصها وهي كثيرة لا تكاد تنحصر ، وها أنا ذاكر ما حضرني منها الآن وإن شاركتها مكة في بعضه ، فأقول وبالله التوفيق : الخاصة الأولى : ما تقدمت الإشارة إليه من كونه صلّى اللّه عليه وسلّم خلق من طينتها ، وكذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأكثر الصحابة والسلف ممن دفن بها وروى أن الله تعالى بعث جبريل وميكائيل ليقبضا قبضة من الأرض بقدميه ، فصار بعض الأرض بين قدميه وبعض الأرض موضع أقدامه ، فخلقت النفس مما مس قدم إبليس ؛ فصارت مأوى الشر ، ومن التربة التي لم يصل إليها قدم إبليس أصل الأنبياء والأولياء . قال في العوارف : وكانت درة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم موضع نظر الله تعالى من قبضة عزرائيل لم يمسها قدم إبليس . وقيل : لما خاطب الله السماوات والأرض بقوله : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ فصلت : 11 ] الآية أجاب من الأرض موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها . وعن ابن عباس : أصل طينة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من سرة الأرض بمكة ، يعني الكعبة ، وهو مشعر بأن ما أجاب من الأرض درته صلّى اللّه عليه وسلّم ومن الكعبة دحيت الأرض ؛ فصار صلّى اللّه عليه وسلّم هو الأصل في التكوين . قال في العوارف عقبه : وتربة الشخص مدفنه ، فكان مقتضى ذلك أن يكون مدفنه هناك ، لكن قيل : لما تموج الماء رمى الزبد إلى النواحي ، فوقعت جوهرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما يحاذي تربته الشريفة بالمدينة ، فكان مكيا مدنيا . قلت : فلمكة الفضل بالبداية ، وللمدينة بالاستقرار والنهاية . الثانية : اشتمالها على البقعة التي انعقد الإجماع على تفضيلها على سائر البقاع ، كما تقدم تحقيقه . الثالثة : دفن أفضل الأمة بها والكثير من الصحابة الذين هم خير القرون . الرابعة : أنها محفوفة بأفضل الشهداء الذين بذلوا نفوسهم في ذات الله بين يدي نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فكان شهيدا عليهم . ونقل عياض في المدارك وابن الجوزي في منسكه أن مالكا كان يقول في فضل المدينة : هي دار الهجرة والسنة ، وهي محفوفة بالشهداء ، وبها خيار الناس بعد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم .