نورالدين علي بن أحمد السمهودي
53
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
وروى البيهقي حديث عائشة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ، وفيه « قال هشام : فكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تضرعه الحمى « 1 » » . وقال الخطابي : كان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا ، وقيل : إنه لم يبق أحد من أهلها إلا أخذته الحمى . قال النووي : وهذا علم من أعلام نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم فإن الجحفة من يومئذ وبية ، ولا يشرب أحد من مائها إلا حم . وبطحان : من أودية المدينة كما سيأتي ، والماء الآجن : المتغير الطعم واللون . الوباء بالمدينة جاهلي قديم واتفق أهل الأخبار أن الوباء بالمدينة كان شديدا ، حتى روى ابن إسحاق عن هشام بن عروة قال : كان وباؤها معروفا في الجاهلية ، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل له : انهق ، فينهق كما ينهق الحمار . وفي دلائل النبوة من طريق هشام عن أبيه عن عائشة قالت : « قدم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وهي أوبأ أرض الله ، وواديها بطحان نجل يجري عليه الأثل » قال هشام : وكان وباؤها معروفا في الجاهلية ، وكان إذا كان الوادي وبيا فأشرف عليه الإنسان قيل له : انهق نهيق الحمار ، فإذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي ، قال الشاعر حين أشرف على المدينة : لعمري لئن عشّرت من خيفة الرّدى * نهيق الحمار إنني لجزوع قالت عائشة : فاشتكى أبو بكر ، الحديث . ثنية الوداع وروى ابن شبة عن عامر بن جابر قال : كان لا يدخل المدينة أحد إلا من طريق واحد ، من ثنية الوداع ، فإن لم يعشّر بها - أي : ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد - مات قبل أن يخرج منها ، فإذا وقف على الثنية قيل : قد ودع ، فسميت ثنية الوداع ، حتى قدم عروة بن الورد العبسي ، فقيل له : عشر بها ، فلم يعشر ، وأنشأ يقول : لعمري لئن عشّرت من خشية الردى * نهاق الحمار إنني لجزوع ثم دخل فقال : يا معشر يهود ، ما لكم وللتعشير ؟ قالوا : إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشّر بها إلا مات ، ولا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال ، فلما ترك عروة التعشير تركه الناس ودخلوا من كل ناحية .
--> ( 1 ) أضرعته الحمّى : أوهنته .