نورالدين علي بن أحمد السمهودي
48
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
أوطانا ، ولو لم يكن إلا جواره صلّى اللّه عليه وسلّم بها وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « ما زال جبريل يوصيني بالجار » الحديث ، ولم يخص جارا دون جار ، ولا يخرج أحد عن حكم الجار وإن جار ، ولهذا اخترت تفضيل سكناها على مكة ، مع تسليم مزيد المضاعفة لمكة ؛ إذ جهة الفضل غير منحصرة في ذلك ؛ فتلك لها مزيد العدد ، ولهذه تضاعف البركة والمدد ، ولتلك جوار بيت الله ، ولهذه جوار حبيب الله وأكرم الخلق على الله ، سر الوجود ، والبركة الشاملة لكل موجود . قال عياض في المدارك : قال مصعب : لما قدم المهدي المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال ، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إليه فعانقه وسلّم عليه وسايره ، فالتفت مالك إلى المهدي فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك ، وهم أولاد المهاجرين والأنصار ، فسلم عليهم ؛ فإنه ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ، ولا خير من المدينة ، قال : ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله ؟ فقال : إنه لا يعرف قبر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم ، ففعل المهدي ما أمره به ، فأشار مالك - رحمه الله ! - إلى أن المقتضى للتفضيل هو وجود قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بها ، ومجاورة أهلها له . الفصل الرابع في بعض دعائه صلّى اللّه عليه وسلّم لها ولأهلها ، وما كان بها من الوباء ، ونقله حب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للمدينة روينا في الصحيحين حديث « اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد » ورواه رزين العبدري والجندي بالواو بدل « أو » مع أن أوفى تلك الرواية بمعنى بل ، وقد صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في محبة المدينة ما لم يرد مثله لمكة ؛ ففي صحيح البخاري وجامع الترمذي حديث « كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قدم من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته « 1 » ، وإن كان على دابة حركها من حبها » وفي رواية لابن زبالة « تباشرا بالمدينة » ، وفي رواية له « كان إذا أقبل من مكة فكان بالأثاية طرح رداءه عن منكبيه وقال : هذه أرواح طيبة » وقد تكرر دعاؤه صلّى اللّه عليه وسلّم بتحبيب المدينة إليه كما سيأتي ، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول ، والتكرير لطلب الزيادة ، وفي كتاب الدعاء للمحاملي وغيره عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أنه « كان إذا قدم من سفر من أسفاره فأقبل على المدينة يسير أتم السير ، ويقول : اللهم اجعل لنا بها قرارا ، ورزقا حسنا » .
--> ( 1 ) أوضع راحلته : حملها على السير السريع .