نورالدين علي بن أحمد السمهودي
46
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
لم أرد هذا ، إنما أردت القتل في سبيل الله ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا مثل للقتل في سبيل الله ، ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها » يعني المدينة ، ثلاث مرات . وروى ابن شبة في أخبار مكة عن سعيد بن أبي هند قال : سمعت أبي يذكر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « كان إذا دخل مكة قال : اللهم لا تجعل منايانا بمكة حتى نخرج منها » ورواه أحمد في مسنده برجال الصحيح عن ابن عمر مرفوعا ، إلا أنه قال : « حتى تخرجنا منها » . وروى مالك والبخاري ورزين العبدري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك ، زاد رزين أن ذلك كان من أجلّ « 1 » دعاء عمر . وسبق ما جاء في أن الإنسان يدفن في التربة التي خلق منها ؛ فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأكثر أصحابه وأفضلهم خلقوا من تربة المدينة ، وقد ثبت حديث : « من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة » ورواه البيهقي بلفظ : « من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت ، فمن مات بالمدينة كنت له شفيعا وشهيدا » وفي رواية له : « فإنه من يمت بها أشفع له ، أو أشهد له » وقد ذكر هذه الرواية ابن حبان في صحيحه . وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه وابن ماجة والبيهقي وعبد الحق وصححه حديث « من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها ، فإني أشفع لمن يموت بها » ولفظ ابن ماجة « فإني أشهد » بدل « فإني أشفع » ورواه الطبراني في الكبير بسند حسن ، ولفظه « من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت ؛ فإنه من مات بها كنت له شهيدا - أو شفيعا - يوم القيامة » ورواه ابن رزين بنحوه ، وزاد « وإني أول من تنشق عنه الأرض ، ثم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون ، ثم أنتظر أهل مكة فأحشر بين أهل الحرمين » وفي رواية لابن النجار « فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى البقيع فيبعثون ، ثم يبعث أهل مكة » . وروى الطبراني حديث « أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ، ثم أهل مكة ، ثم أهل الطائف » وأخرجه الترمذي بالواو بدل ثم ، وسيأتي في فضل البقيع زيادة تتعلق بذلك . وبالجملة : فالترغيب في الموت في المدينة لم يثبت مثله لغيرها ، والسكنى بها وصلة إليه ؛ فيكون ترغيبا في سكناها ، وتفضيلا لها على غيرها ، واختيار سكناها هو المعروف من حال السلف ، ولا شك أن الإقامة بالمدينة في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل إجماعا ، فنستصحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعه .
--> ( 1 ) أجلّ : أعظم وأقوى .