نورالدين علي بن أحمد السمهودي

41

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه ، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث ، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد » . وفي الصحيحين : « أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد » وفي رواية لابن زبالة : « إن المدينة تنفي خبث الرجال » وفي رواية : « خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد » . وفي صحيح البخاري حديث : « إنها طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة » . وفي الصحيحين قصة الأعرابي الذي جاء من الغد محموما فقال : أقلني بيعتي ، فأبى صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج الأعرابي ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيّبها » . قوله : « أقلني بيعتي » أي : انقض العهد حتى أرجع إلى وطني ، وكأنه كان قد بايع على هجرة الإقامة . وقوله : « تنفي خبثها » يحتمل أن يكون بمعنى الطرد والإبعاد لأهل الخبث ، وقصة الأعرابي المذكور ظاهرة فيه ، وخصه ابن عبد البر بزمنه صلّى اللّه عليه وسلّم والظاهر كما قال النووي عدم التخصيص ؛ ففي الصحيح : « لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها » يعني عند ظهور الدجال ، وسيأتي في الفصل الخامس في حديث أحمد وغيره برجال الصحيح قصة خروج من بالمدينة من المنافقين إلى الدجال ، ثم قال : « وذلك يوم التخليص ، ذلك يوم تنفي المدينة الخبث » وقال عمر بن عبد العزيز مشفقا إذ خرج منها لمن معه : أتخشى أن نكون ممن نفت المدينة ؟ وقد طهرها الله تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين الإسلام ، وأهلك من كان بها من المنافقين ، وهؤلاء هم أهل الخبث الكامل ، ومن عداهم من أهل الخبث والذنوب قد يكون طرده وإبعاده إن استمر على ذلك بآخرة الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض كما أشار إليه الأقشهري قال : ويكون قوله : « تنفي خبثها ، وتنفي الذنوب » أي أهل ذلك ، على طريقة حذف المضاف ، ويحتمل أن يكون بمعنى طرد أهل الخبث الكامل ، وهم أهل الشقاء والكفر ، لا أهل السعادة والإسلام ؛ لأن القسم الأول ليس قابلا للشفاعة ولا للمغفرة ، وقد وعد صلّى اللّه عليه وسلّم من يموت بها بالشفاعة لهذا وجب انتفاء القسم الأول منها ، ويحتمل أن يكون بمعنى تخليص النفوس من شرهها وميلها إلى اللذات بما فيها من اللأواء والشدة ، ويؤيده رواية « إنها طيبة تنفي الذنوب » الحديث ، ويكون نفيها للذنوب على ظاهره ، سيما وقد اشتملت على عظيم المضاعفات ، وتنوع المثوبات ، وتوالي الرحمات ، وقد قال تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] مع ما لأهلها من الشفاعة والشهادة الخاصة ، وما بها من تضاعف البركات ، ويحتمل أن يكون بمعنى أنه لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث ، بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها ، ولم أر الآن من نصّ على هذا الاحتمال ،