نورالدين علي بن أحمد السمهودي

32

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

وقال النووي : المختار الذي عليه الجمهور أن السماوات أفضل من الأرض ، وقيل : إن الأرض أشرف ؛ لأنها مستقر « 1 » الأنبياء ومدفنهم ، وهو ضعيف . قلت : وكأن وجه تضعيفه للثاني أن الكلام عن مطلق الأرض ، ولا يلزم من تفضيل بعضها لكونها مدفن الأنبياء تفضيل كلها ، وضعف أيضا بأن أرواح الأنبياء في السماوات والأرواح أفضل من الأجساد ، وجوابه ما سنحققه إن شاء الله تعالى من حياة الأنبياء في قبورهم ، صلوات الله وسلامه عليهم . وقال شيخنا المحقق ابن إمام الكاملية في تفسير سورة الصف : والحق أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل ما سواها من الأرض والسماء ، ومحل الخلاف في غير ذلك كما كان يقرره شيخ الإسلام البلقيني . قال الزركشي : وتفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة للمجاورة ، ولهذا يحرم للمحدث مس جلد المصحف . عود لتفضيل مكة أو المدينة قال القرافي : ولما خفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكر حكاية الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة ، وقال : التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال ، والعمل على قبر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم محرم ، قال : ولم يعلم أن أسباب التفضيل أعم من الثواب ، والإجماع منعقد على التفضيل بهذا الوجه لا بكثرة الثواب ، ويلزمه أن لا يكون جلد المصحف - بل ولا المصحف نفسه - أفضل من غيره لتعذر العمل فيه ، وهو خرق للإجماع . قلت : وما ذكره من التفضيل بالمجاورة مسلّم ، لكن ما اقتضاه من عدم التفضيل لكثرة الثواب في ذلك ممنوع لما سنحققه . كلام للعز بن عبد السلام وأصل الإشكال لابن عبد السلام فإنه قال في أماليه : تفضيل مكة على المدينة أو عكسه معناه أن الله يرتب على العمل في إحداهما من الثواب أكثر مما يرتبه على العمل في الأخرى ؛ فيشكل قول القاضي عياض : أجمعت الأمة على أن موضع القبر الشريف أفضل ؛ إذ لا يمكن أحد أن يعبد الله فيه .

--> ( 1 ) مستقر الأنبياء : موطن دعوتهم في حياتهم ، ومدفنهم بها بعد وفاتهم .