نورالدين علي بن أحمد السمهودي

274

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

المضاعفة هو ما كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم مع ما زيد فيه ، لأخبار وآثار وردت في ذلك ، واستحسنه ابن حملة على ما ذهب إليه النووي في كتبه من التخصيص ، مع أن البرهان ابن فرحون نقل في شرحه لابن الحاجب الفرعي أنه لم يخالف في هذه المسألة غير النووي ، وأن الشيخ محب الدين الطبري نقل في كتابه الإحكام أن النووي رجع عن ذلك ، قال : ونقل أبو عبد الله بن فرحون في شرح مختصر الموطأ أنه وقف على كتاب من كتب المالكية فيه أن مالكا سئل عن ذلك فقال : ما أراه عليه السلام أشار بقوله : « في مسجدي هذا » إلا لما سيكون من مسجده بعده ، وأن الله أطلعه على ذلك ، انتهى . قلت : أما قوله « إنه لم يخالف في ذلك إلا النووي » فممنوع ؛ فقد نقل ذلك ابن الجوزي في الوفاء عن ابن عقيل الحنبلي ، وأما ما نقله عن الإحكام للطبري فقد راجعتها فرأيته ترجم لبيان أن مسجده صلّى اللّه عليه وسلّم المشار إليه بالتفضيل هو الموجود في زمنه مع ما زيد فيه ، وأورد بعض الأخبار الآتي ذكرها في آخر الفصل الثاني عشر ، ثم قال : وقد يتوهم بعض من لم يبلغه ذلك قصر الفضيلة على الموجود في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم لمكان الإشارة ، وقد وقع ذلك لبعض أئمة العصر ، فلما رويت له ما سبق جنح إليه وتلقاه بالقبول ، انتهى . فكأن ابن فرحون فهم أن المراد من قولهم « بعض أئمة العصر » النووي . وأما ما حكاه عن مالك فقد نقله الأقشهري في روضته عن عبد الله بن نافع صاحب مالك عن مالك ، ولفظه في أثناء كلام : قيل له - أي لمالك - فحد المسجد الذي جاء فيه الخبر هو على ما كان في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو على ما هو الآن ؟ قال : بل هو على ما هو الآن ، قال : لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر بما يكون بعده ، وزويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها ، وتحدث بما يكون بعده ، فحفظ ذلك من حفظه في ذلك الوقت ، ونسي ذلك من نسيه ، ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر عليهم ذلك منكر ، انتهى . قلت : ومتمسك من ذهب إلى التخصيص الإشارة في قوله « مسجدي هذا » ولعله صلّى اللّه عليه وسلّم إنما جاء بها ليدفع توهم دخول سائر المساجد المنسوبة إليه بالمدينة غير هذا المسجد ، لا لإخراج ما سيزاد فيه ، وقد سلّم النووي أن المضاعفة في المسجد الحرام تعم ما زيد فيه ، فليكن مسجد المدينة كذلك ، كما أشار إليه ابن تيمية ، قال : وهو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم ، وكان الأمر عليه في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما ، فإن كلّا منهما زاد في قبلة المسجد ، وكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه ، ويمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده ، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده ، قال :