نورالدين علي بن أحمد السمهودي

191

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

الفصل العاشر في دخوله صلّى اللّه عليه وسلّم أرض المدينة ، وتأسيس مسجد قباء كان المسلمون بالمدينة قد سمعوا بمخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة أول النهار فينتظرونه ، فما يردهم إلا حرّ الشمس ، فبعد أن رجعوا يوما أو في رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه مبيضين ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا بني قيلة - يعني الأنصار - وفي رواية : يا معشر العرب ، هذا جدكم ، يعني حظكم - وفي رواية : صاحبكم الذي تنتظرونه - فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقّوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء على كلثوم بن الهدم ، قيل : وكان يومئذ مشركا ، وبه جزم ابن زبالة ، وقال رزين : نزل في ظل نخلة ، ثم انتقل منها إلى دار كلثوم أخي بني عمرو بن عوف ، وفي « أخبار المدينة » ليحيى الحسيني جد أمراء المدينة اليوم في النسخة التي رواها ابنه طاهر بن يحيى عنه من طريق محمد بن معاذ ، قال : حدثنا مجمّع بن يعقوب عن أبيه وعن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قالا : صلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بظهر حرّتنا ، ثم ركب فأناخ إلى عذق عند بئر غرس قبل أن تبزغ الشمس وما يعرف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من أبي بكر ، عليهما ثياب متشابهة ، فجعل الناس يقفون عليهم حتى بزغت الشمس من ناحية أطمهم الذي يقال له « شنيف » فأمهل أبو بكر ساعة حتى خيل إليه أنه يؤذي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بحر الشمس ، فقام فستر على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بردائه ، فعرف القوم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فجعلوا يأتون فيسلمون على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قلت لمجمّع بن يعقوب : إن الناس يرون أنه جاء بعد ما ارتفع النهار وأحرقتهم الشمس ، قال مجمع : هكذا أخبرني أبي وسعيد بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن يزيد قال : ما بزغت الشمس إلا وهو جالس في منزله صلّى اللّه عليه وسلّم . قلت : ولم أر هذا الخبر في النسخة التي رواها ولد ابن يحيى عن جده ، وقوله « عند بئر غرس » الظاهر أنه تصحيف ، ولعله « بئر عذق » لبعد بئر غرس من منزله صلّى اللّه عليه وسلّم بقباء ، بخلاف بئر عذق ، وإلا فهو قادح فيما يعرفه الناس اليوم من أن بئر غرس هي هي المعروفة بمحلها الآتي بيانه . وفي كتاب يحيى أيضا عن محمد بن إسماعيل بن مجمّع قال : لما نزل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم على كلثوم بن الهدم هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة قال : يا نجيح ، لمولى له ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم والتفت إلى أبي بكر : أنجحت ، أو أنجحنا ، فقال : أطعمنا رطبا ، قال :