نورالدين علي بن أحمد السمهودي
177
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
وروى الطبراني مرسلا في خبر طويل قال فيه عن عروة : ثم بعثوا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله ؛ فإنه أدنى أن يتبع « 1 » ؛ فبعث إليهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار ، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة ، فجعل يدعو الناس ، ويفشو الإسلام ، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم ، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا مرقا أو قريبا منها ، فجلسا هنالك ، وبعثا إلى رهط من أهل الأرض ، فأتوهم مستخفين ، فبينا مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ ، فأتاهم في لأمته « 2 » ومعه الرمح حتى وقف عليه فقال : غلام يأتينا في دارنا ، هذا الوحيد الفريد الطريد الغريب ليسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم ، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا ، فرجعوا ، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرق أو قريبا منها فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية ، فتوعدهم بوعيد دون الأول ، فلما رأى أسعد منه اللين قال : يا ابن خالة ، اسمع من قوله ، فإن سمعت منكرا فاردده بأهدى منه ، وإن سمعت خيرا فأجب إليه ، فقال : ما ذا يقول ؟ فقرأ عليه مصعب : حم ( 1 ) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ الزخرف : 1 - 3 ] فقال سعد : وما أسمع إلا ما أعرف ، فرجع وقد هداه الله ، ولم يظهر أمر الإسلام حتى رجع إلى قومه ، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام وأظهر إسلامه ، وقال : من شك فيه من صغير أو كبير فليأتنا بأهدى منه ، فوالله لقد جاء أمر لتحزّنّ فيه الرقاب ، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلامه ودعائه إلا من لا يذكر فكانت أول دار من دور الأنصار أسلمت بأسرها ، ثم إن بني النجار اشتدوا على أسعد بن زرارة ، وأخرجوا مصعب بن عمير ، فانتقل إلى سعد بن معاذ ، فلم يزل يدعو ويهدي على يديه ، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس ، وأسلم أشرافهم ، وأسلم عمرو بن الجموح ، وكسرت أصنامهم ، فكان المسلمون أمر أهلها ، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم اه . وقد روى هذه القصة ابن إسحاق عمن سمى من شيوخه بزيادة ونقص ، فقال : إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر ، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال لها بئر مرق ، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ، فلما سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير - وهما يومئذ سيدا قومهما بني عبد الأشهل - وكلاهما مشرك ، قال سعد لأسيد : لا أبا لك ! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا ؛ فإنه لولا أن أسعد
--> ( 1 ) أدنى أن يتبع : أولى أن يتبع . ( 2 ) اللامة : أداة الحرب كلها . وتشمل جميع أنواع السلاح .