نورالدين علي بن أحمد السمهودي
171
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
قلت : روى ابن شبة عن أفلح بن سعيد ما يخالفه في نسبة ذلك لأبي جهل مع بيان الحيلة ، فقال : خرجت الأوس جالية من الخزرج حتى نزلت على قريش بمكة فحالفتها ، فلما حالفتهم قال الوليد بن المغيرة : والله ما نزل قوم قط على قوم إلا أخذوا شرفهم وورثوا ديارهم ، فاقطعوا حلف الأوس ، فقالوا : بأي شيء ؟ قال : إن في القوم حمية ، قولوا لهم : إنا نسينا شيئا لم نذكره لكم ، إنا قوم إذا كان النساء بالبيت فرأى الرجل امرأة تعجبه قتلها ولمسها بيده ، فلما قالوا ذلك للأوس نفرت وقالوا : اقطعوا الحلف بيننا وبينكم ، فقطعوه ، انتهى . فلما لم يتم لهم الحلف ذهبت النبيت إلى خيبر - قلت : أراد بالنبيت بعضهم ، وهم بنو حارثة ؛ لما قدمناه من أن النبيت يطلق عليهم وعلى بني عبد الأشهل وبني ظفر وبني زعورا ، والذي انتقل من هؤلاء إلى خيبر هم بنو حارثة فقط كما سبق ، إلا أن يريد غيره - فأقاموا بها سنة ، وماتت منهم عجوز فقالوا « أهون حادث موت عجوز في سنة » فذهب مثلا ، فلما رأت الخزرج أن قد ظفرت بالأوس افتخروا عليهم في أشعارهم ، وقال عمرو بن النعمان البياضي : يا قوم إن بياضة بن عمرو أنزلكم منزل سوء ، والله لا يمس رأسي غسلا حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير وأقتل رهنهم ، وكان لهم غزار المياه وكرام النخل ، وقال رجل منهم أيضا شعرا يتغنى به يذكر جلاء النبيت إلى خيبر وأخذهم الرهن من اليهود : هلمّ إلى الأحلاف إذ رقّ عظمهم * وإذ أصلحوا ما لا لجذمان ضائعا إذا ما امرؤ منهم أساء عمارة * بعثنا عليهم من بني العير جادعا فأما الصّريح منهم فتحمّلوا * وأما اليهود فاتخذنا بضائعا وذاك بأنا حين نلقى عدوّنا * نصول بضرب يترك العز خاشعا فبلغ قولهم قريظة والنضير وهم المعينون بالصريح لأنهم من بني الكاهن بن هارون ، وبلغ ذلك أيضا من كان في المدينة من الأوس ، فمشوا إلى كعب بن أسد القرظي ، فدعوه إلى المحالفة على الخزرج ، ففعل ، ثم تحالفوا مع قريظة والنضير ، ثم أرسلوا بذلك إلى النبيت فقدموا فأخذت الخزرج في قتل الرهن ، فقال لهم كعب بن أسد القرظي : إنما هي ليلة ثم تسعة أشهر وقد جاء الخلف ، وأرسلوا إلى الأوس وقالوا لهم : انهضوا إلينا ، فنأتيهم بأجمعنا ، فجاءت الخزرج إلى عبد الله بن أبي فقالوا : مالك لا تقتل الرهن ؟ فقال : لا أغدرهم أبدا ، وأنتم البغاة ، وقد بلغني أن الأوس تقول : منعونا الحياة فيمنعونا الموت ، وو الله ما يموتون أو تهلكون عامتكم ، فقال له عمرو بن النعمان : انتفخ والله سحرك ، فقال : إني لا أحضركم ، ولكأني أنظر إليك قتيلا يحملك أربعة في كساء .