نورالدين علي بن أحمد السمهودي

149

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

ونقل رزين عن الشرقي أن أبا جبيلة لما فرغ من نصر أهل المدينة رجع إلى الشام ؛ فأقبل تبع الأخير - وهو كرب بن حسان بن أسعد الحميري ، والتبابعة كلهم من حمير - يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل ؛ فمر بالمدينة ، فخلف فيها ابنا له ومضى حتى قدم الشام ، ثم سار حتى قدم العراق ، فلما كان بالعراق قتل ابنه بالمدينة غيلة « 1 » فأقبل راجعا يريد تخريب المدينة ، فنزل بسفح أحد ، فاحتفر بئرا ثم أرسل إلى أشراف المدينة ، فلما جاءهم الرسول قال بعضهم : إنما أراد أن يملكنا على قومنا ، وقال أحيحة : والله ما دعاكم لخير ، وكان لأحيحة رئيّ من الجن فخرجوا وخرج أحيحة معه بقينة وخمر وخباء ، فضرب الخباء وجعل فيه القينة والخمر ، ثم دخل على تبع أول الناس . فتحدث معه ، ففطن بالشر ، ثم قال : إن أصحابي يصلونك إلى الظهر ، فاستأذن في الخروج إلى الخيمة ، فأذن له ، فشرب وجعلت القينة تغنيه بأبيات صنعها لها تقول : لتبكني قينة ومزهرها * وتبكني قهوة وشاربها وتبكني عصبة إذا اجتمعت * لا يعلم الناس ما عواقبها وهو يقلّ من الشراب ، وجاء أصحابه قريبا من الليل ، فأمر لهم تبع بضيافة ، فلما كان في جوف الليل أرسل إليهم ليقتلهم ، ففطن أحيحة ، فقال للقينة : أنا سائر إلى أهلي ، فإذا طلبني الملك فقولي : هو نائم ، فإذا ألحوا فقولي : يقول لك : أما أحيحة فقد ذهب فاغدر بقينته أو دع ، وانطلق فتحصن في حصنه ، فحاصروه ثلاثا يقاتلهم بالنهار ، وإذا كان بالليل يرمي إليهم بتمر ويقول : هذا ضيافتكم . فأخبروا تبعا أنه في حصن حصين ، فأمرهم أن يحرقوا نخله ، واشتعلت الحرب بين تبع وأهل المدينة من اليهود والأوس والخزرج ، وتحصنوا في الآطام ، فخرج رجل من أصحاب تبع حتى جاء بني عدي بن النجار ، فدخل لهم حديقة ، فرقي على عذق منها . فأخذ يجده « 2 » ، فنزل إليه صاحب العذق « 3 » فقتله وجره إلى بئر وألقاه فيها ، وهو يقول : جانا يجدّ نخيلنا * وكان الجداد لمن قد أبر « 4 » فزاد ذلك تبعا حنقا « 5 » ، وجرد إلى بني النجار خيلا ، فقاتلهم بنو النجار ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلحة أخو بني معاوية بن مالك بن النجار ، ورمى عسكر تبع حصون

--> ( 1 ) الغيلة : الغدر . ( 2 ) جدّ الشيء : قطعه . ( 3 ) العذق : كل غصن له شعب . ( 4 ) أبّر النخل : أصلحه . ( 5 ) حنق عليه : اشتد غيظه .