نورالدين علي بن أحمد السمهودي

14

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

ومن معهم نزلوا يوم الأحزاب ويوم أحد أيضا على ما ذكره المطري برومة وما والاها بالقرب من منازل بني حارثة من الأوس ومنازل بني سلمة من الخزرج ، وكان الفريقان مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في مركز الحرب ، ولذلك خافوا على ذراريهم وديارهم العدو يوم أحد ؛ فنزل فيها : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [ آل عمران : 122 ] قال عقلاؤهم : ما كرهنا نزولها لتولي الله إيانا ، ودفع الله عنهم ببركة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصدق نياتهم ، وقيل : إن القائل لبني حارثة : « يا أهل يثرب لا مقام لكم » هو أوس بن قيظي ومن معه ، وقيل : غير ذلك . قلت : ويرجح القول الثالث أيضا قول الحافظ عمر بن شبّة النميري « 1 » : قال أبو غسان : وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة في الناحية التي تدعى يثرب ، انتهى . ولا شك في إطلاق يثرب على المدينة نفسها ، كما ثبت في الصحيح ، وشواهده أشهر من أن تذكر ، وسيأتي في الفصل الرابع عشر من الباب الثاني ما يقتضي أن الله تعالى سماها قبل أن تعمر وتسكن ، فإما أن يكون موضوعا لها ، أو هو من باب إطلاق اسم البعض على الكل ، أو من باب عكسه على الخلاف المتقدم . وروى ابن زبالة وابن شبة نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن تسمية المدينة يثرب ، وفي تاريخ البخاري حديث : من قال يثرب مرة فليقل المدينة عشر مرات » ، وروى أحمد وأبو يعلى حديثا : « من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله ، وهي طابة » ورجاله ثقات ، وفي رواية « فليستغفر الله ثلاثا » ولهذا قال عيسى بن دينار : من سمى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة ، وكره بعض العلماء تسميتها بذلك ، وما وقع في القرآن من تسميتها به إنما هو حكاية عن قول المنافقين ، ووجه كراهة ذلك إما لأنه مأخوذ من الثّرب - بالتحريك - وهو الفساد ، أو لكراهة التثريب وهو المؤاخذة بالذنب ، أو لتسميتها باسم كافر ، وقد ينازع في الكراهة بما في حديث الهجرة في الصحيحين من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فذهب وهلي « 2 » إلى اليمامة أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب » وحديث مسلم : « إنه وجهت إلى أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب » وكذا جاء في غيرهما من الأحاديث ، وقد يجاب بأن ذلك كان قبل النبي . أرض الله الثاني : « أرض الله » قال الله تعالى : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [ النساء :

--> ( 1 ) عمر بن شبة النميري له ترجمة في تهذيب التهذيب ( 7 / 460 ) وفي خلاصة الخزرجي ( 283 بولاق ) وثّقه الدارقطني ، مات سنة 262 من الهجرة . ( 2 ) ذهب وهلي : ذهب وهمي .