الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 56

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

وتتمثل الدائرة الأولى في شرائح من المتعلمين والمثقفين الذين أنجبهم النظام التعليمي الّذي أنشأه محمد على ودعمه إسماعيل فيما بعد ، وقد كان الوسيط الثقافي الّذي نقل " نهاية الإيجاز " إلى تلك الدائرة مؤسسة " جديدة " من مؤسسات إرساء التحديث وتثبيت التمدن ؛ إذ أسهمت مجلة " روضة المدارس " - طوال سنوات صدورها ( 1870 - 1877 ) - في مسيرة التحديث سواء بتقديم العلوم الجديدة التي كان المجتمع المصري يحتاجها ، أو تقديم المعارف الجديدة التي ترتبط بمجالات التاريخ والفلسفة والاجتماع ، أو بالإسهام في إعادة تشكيل بعض الأشكال الأدبية القديمة كالمقامة ، أو بتشجيع الأشكال الأدبية الجديدة ، ثم بمحاولة تطويع اللغة العربية لتصبح قادرة على الوفاء بالتعبير عن الأفكار والصيغ الفنية الجديدة ( 116 ) . وقد كان نشر " نهاية الإيجاز " في " روضة المدارس " وسيلة لنقل الرسالة الإصلاحية التعليمية التي يتضمنها إلى فئات واسعة من المتلقين ، وهذا ما تؤكده طريقة توزيع " روضة المدارس " ؛ إذ ( كان ديوان المدارس يرسل إلى المدارس بعض أعدادها ليشتريها المدرسون منبها إلى الحذر من عدم ارتداد أي نسخة من الروضة ، ثم قرر الديوان أن يشتريها جميع الموظفين في المدارس ، والمكاتب الأهلية ممن يزيد مرتبتهم عن 250 قرشا في الشهر ، وكان ديوان المدارس أيضا يرسل أعدادا من روضة المدارس إلى أعيان البلاد ليقوموا بتوزيعها ) ( 117 ) . وأما الدائرة الثانية التي توجه إليها الطهطاوي بكتابته " نهاية الإيجاز " - بما تنطوى عليه من تقديم شخصية الرسول ( ص ) بوصفه النموذج البطولي العربي الإسلامي - فهي دائرة السلطة والحاكم ، وهذا ما يحتاج إلى إضاءة موسعة تكشف عن تحولات علاقة الطهطاوي المثقف بالسلطة وتأثيرها في تحولات بعض أفكاره . إن الطهطاوي - كما وضعه غالى شكري في إطار تصنيفه للمثقفين المصريين في القرن التاسع عشر من منظور علاقة المثقف بالسلطة - يمثل نموذج " المثقف الشامل " ؛ أي المثقف ذي الرؤية الشاملة الواعية بجوانب النهضة ووسائلها وغاياتها ، وذلك في مقابل المثقف الداعية السياسي كعمر مكرم ، والمثقف الخبير كعلى مبارك . وإذا كانت هذه الأنماط الثلاثة قد ولدت في رحم السلطة فإن الطهطاوي المثقف الشامل كان - في صياغته " مشروع " ( تحديث القوة الاجتماعية