الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 54

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

شكل جديد يفيد من التقاليد الكتابية والصياغية المختلفة التي تجلت في أنماط كتابة السيرة النبوية السابقة عليه . وقد بدت في التشكيل السردى الّذي قدمه الطهطاوي ملامح تماس " قوية " مع الرواية التاريخية المعاصرة له ، سواء في الاعتماد على أحداث تاريخية ، وحذف أسانيد المرويات ، واستخدام تقنية الاستطراد لتؤدى وظائف تعليمية مباشرة أو غير مباشرة ، أو توظيف الشعر داخل السياقات السردية المختلفة ليؤدى وظائف مماثلة لوظائفه في الرواية التاريخية المعاصرة له . وأما خاصية تنظيم الوقائع تنظيما قائما على منطق السببية ، مع إعمال تقنية الحذف والإيجاز ، والتي تبدت في صياغة الطهطاوي للواحدة السردية الوسطى الممثلة في الغزوة - فهي دال كاشف عن التماس الشديد بين التشكيل السردى لبعض واحدات السيرة عند الطهطاوي والرواية التاريخية المعاصرة له ، بل إن سبق الطهطاوي لمعظم نماذج هذه الشكل الروائي - في مرحلة ( 1870 - 1914 ) - يشير إلى إمكانية النظر إلى كتابة الطهطاوي السيرة النبوية بوصفها فعلا إبداعيا مسهما بفاعلية في التمهيد للرواية التاريخية . وذلك ما يكشف عن جانب جديد من جوانب ريادة الطهطاوي في مجال كتابة أو تقديم الأشكال السردية الحديثة ؛ إذ لا تقتصر ريادته - في هذا المجال على كتابه " تخليص الإبريز " وترجمة " وقائع تليماك " أو عمله الصحافى الّذي أسهم فيما يرى الن روجر - في تطور الرواية العربية ( 110 ) ، بل تمتد أيضا إلى إعادة صياغة متن السيرة النبوية وجعله شكلا مسهما في التمهيد للرواية التاريخية . وبقدر ما يبدو في كتابة الطهطاوي السيرة من تماس مع الرواية التاريخية فإن ذلك التماس هو الّذي يمكن أن يفسر " خفوت " تأثير الكتابات الغربية - والفرنسية تحديدا - عن النبي " ص " على كتابة الطهطاوي ؛ فعند إقامة الطهطاوي في باريس ( 1826 - 1831 ) واتصاله بالثقافة والأدب الفرنسيين كان هناك خمسة عشر عملا فرنسيا تناول النبي " ص " سواء بكتابة سيرته ، أو بتقديم وصف تاريخي له ، أو بتقديم فهم جديد له يكشف عن رؤية جديدة له تخالف رؤية القرون الوسطى ، واستلهام شخصيته في بعض الأعمال الإبداعية الكبرى ( 111 ) . ولا يبدو تأثير هذه الكتابات على كتابة الطهطاوي السيرة على الرغم مما يبدو في " أنوار