الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى
مقدمة 51
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز
بكر ، حينئذ يلجأ الراوي ( الواقدي وابن هشام ) إلى تصوير ظهور إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي أحد زعماء بنى كنانة ليؤكد لقريش أن بنى بكر لن تهاجمها ( 97 ) . وذلك ما يدفع الراوي إلى التوقف عن سرد وقائع الغزوة ليعود إلى الماضي فيقدم تفاصيل الخلاف بين قريش وبنى بكر ( 98 ) . وبقدر ما يمثل ذلك التوقف قطعا لتقديم الوقائع فإنه يهدف إلى تفسير بعض الجوانب المرتبطة بقريش بوصفها طرفا من طرفي الصراع . إن محورية الدور الّذي تؤديه الرؤيا في كثير من مواقف السيرة النبوية والسير الشعبية العربية هي التي تفسر سعى الراوي - في إطار النمط المطول للسيرة النبوية إلى الإبقاء عليها في اللحظات تسبق حدوث الوقائع المهمة . وقد توقف الواقدي وابن هشام عند تقديم رؤيا جهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب التي تمثل نبوءة بمصير عدد من القرشيين الذين سيقتلون في القتال ( 99 ) . وتلعب هذه الرؤيا دورا مزدوجا في تشكيل الأحداث ؛ إذ ينكص بعض القرشيين عن الذهاب إلى بدر ، بينما يزداد إصرار أبى جهل على القتال . وعلى مستوى تشكيل الوقائع يبدو الواقدي أكثر من ابن هشام ميلا إلى تقديم الحواريات - بينما يبدو ابن هشام ساعيا إلى ضغط هذه الحواريات أو حذف فقرات منها أو تقديمها سردا ( 100 ) . ومن الملاحظ أن الطهطاوي قد استبعد تماما تلك الرؤيا والأخبار التي سبقتها ، ملتقيا في هذا مع ابن عبد البر وابن حزم . أما الوقائع الأساسية المرتبطة بأحداث الغزوة فهي : استشارة النبي أصحابه ، واستطلاعه أخبار مسير قريش ، ثم تحرك المسلمين لقتال قريش ، ثم تشاور النبي ( ص ) مع أصحابه واقتراح الحباب بن المنذر مكان عسكرة جيش المسلمين ، ثم وقائع القتال ونتائجه ، ولا يختلف ترتيب هذه الوقائع " الأساسية " عند هؤلاء الرواة جميعا ، وإن بدت بعض الطرائق التي استخدمها هذا الراوي أو ذاك ذات دلالة على منحاه في الصياغة والتشكيل . فبينما اعتمد السرد لدى ابن هشام والواقدي وابن سيد الناس على تقديم مجموعة من الأخبار المتوالية والمتعاقبة فإن اهتمام كل منهم بتقديم سلاسل أسانيد هذه الأخبار يجعل منها - أي من هذه السلاسل - وسيلة موجهة نحو تحديد كيفية للتلقى تقوم على تأكيد الفواصل بين المتلقى والوقائع التي تقدم له .