الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى
مقدمة 48
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز
( 5 / 5 ) تمثل صياغة الغزوات الكبرى - كبدر وأحد والخندق - دوال بارزة على الطرائق التي اعتمدها الطهطاوي في تشكيل الغزوة بوصفها واحدة سردية وسطى ، وتتبدى فيها الفعاليات المختلفة لتقتنى الإيجاز والحذف والاستطراد وتوظيف الشعر في إطار السرد ، كما تبرز فيها الطريقة التي يعتمدها الكاتب الراوي لتنظيم الوقائع التي يقدمها ، وهي طريقة تتضمن دلالات متعددة ، وستكشف دراسة الواحدة السردية الوسطى عن هذه الجوانب جميعا ، وذلك ما سيتحقق عبر المقارنة بين نص الطهطاوي ونصوص السابقين عليه من كتاب السيرة النبوية . وردت وقائع غزوة بدر عند كتاب السيرة المطولة كابن هشام ، وكتاب المغازي كالواقدي ، وكتاب النمط المشروح كابن سيد الناس ، كما وردت لدى كتاب النمط المختصر كابن عبد البر وابن حزم ، بينما وضعها الطهطاوي في إطار ظواهر السنة الثالثة للهجرة ( 86 ) ورغم ما يشير إليه ذلك من جعلها تابعة للإطار الزمنى المتمثل في إفراد الحوادث وضمها إلى سنوات حدوثها ، فإن ذلك لا ينفى أهمية هذه الواحدة في إطار ذلك التقسيم الزمنى . إن كل كاتب من أولئك الكتاب يمكن وصفه بأنه الراوي الأساسي لأنه هو الّذي يقوم باختيار الوقائع ، واستبعاد بعضها ، وإيجاز بعضها الآخر ، ثم يقوم - في النهاية - بعملية تنظيم المرويات المختلفة ، وإن اختلفت - بطبيعة الحال - ماهية هذه العمليات لدى كل واحد من هؤلاء الرواة . ويبدو لدى كتاب النمط المطول اهتمام واضح بتقديم سلاسل الأسانيد التي نقلت المرويات ، فالواقدى ساق ، في بداية كتابه ، أسماء الرواة الذين نقل عنهم مغازيه قائلا إن كلّا منهم ( قد حدثني بطائفة ، وبعضهم أوعى لحديثه من بعض ، وغيرهم قد حدثني أيضا فكتبت كل الّذي حدثونى ) ( 87 ) . ولذا بدأت معظم مروياته بعبارة " قالوا " إشارة إلى أن مضمونها أو متنها منقول عن هؤلاء الرواة أو معظمهم ، بينما كان يتوقف في بداية خبر من الأخبار المفردة - التي تقدم جانبا مختلفا أو متناقضا مع الأخبار المنقولة عن مجموعة الرواة الذين نقل عنهم - ليقدم سلسلة الرواة الذين نقلوا هذا الخبر . على حين تبدو الأخبار عند ابن هشام متتابعة